المسيحيّة ، فالعلم يحكم بأنّ الثّلاثة لا تساوي الواحد ، والمسيحيّة المعاصرة تصرّ على أنّهما متساويان !
ويجب الالتفات هنا إلى عدّة نقاط حول هذا الاعتقاد المسيحيّ :
1 - لم يشر أيّ من الأناجيل في الوقت الحاضر إلى مسألة التّثليث ، لذلك يعتقد الباحثون المسيحيّون أنّ مصدر التّثليث في الأناجيل خفيّ وغير بارز ، وفي هذا المجال يقول الباحث الأمريكيّ المستر هاكس : « إنّ قضيّة التّثليث تعتبر في العهدين القديم والجديد خفيّة وغير واضحة » . ( القاموس المقدّس - ص : 345 ، طبعة بيروت ) .
وذكر المؤرّخون أنّ قضيّة التّثليث قد برزت بعد القرن الثّالث الميلاديّ لدى المسيحيّين ، وإنّ منشأ هذه البدعة كان الغلوّ من جانب ، واختلاط المسيحيّين ، بالأقوام الأخرى من جانب آخر .
ويرى البعض احتمال أن يكون مصدر التّثليث عند المسيحيّين واردا من عقيدة الثّالوث الهنديّ ، أي عبادة الهنود للآلهة الثّلاثة « 1 » .
2 - إنّ قضيّة التّثليث القائلة بأنّ الثّلاثة واحد تعتبر أمرا غير معقول أبدا ، ويرفضها العقل بالبداهة ، والشّيء الّذي نعرفه هو أنّ الدّين لا يمكنه أن يكون منفصلا عن العقل والعلم ، فالعلم الحقيقيّ والدّين الواقعيّ كلاهما متّفقان ومتناسقان دائما - ولا يمكن القول بأنّ الدّين أمر تعبّديّ محض - لأنّنا لو أزحنا العقل جانبا عند قبول مبادئ الدّين وأذعنّا للعبادة العمياء الصّمّاء ، فلا يبقى لدينا ما نميّز به بين الأديان المختلفة .
وفي هذه الحالة ، أيّ دليل يوجب على الإنسان أن يعبد اللّه ولا يعبد الأصنام ؟ وأيّ دليل يدعو المسيحيّين إلى التّبشير لدينهم لا للأديان الأخرى ؟
ومن هذا المنطلق فإنّ الخصائص الّتي يراها المسيحيّون لدينهم ويصرّون على دعوة النّاس للقبول بها ، هي بحدّ ذاتها دليل على أنّ الدّين يجب أن يعرف بمنطق العقل ، وهذا يناقض دعواهم حول قضيّة التّثليث الّتي يرون فيها انفصال الدّين عن العقل .
وليس هناك كلام يستطيع تحطيم الدّين أشدّ وأقبح من أن يقال : إنّ الدّين لا يمتلك طابعا عقلانيّا ومنطقيّا ، وأنّه ذو طابع تعبّديّ محض .
3 - إنّ الأدلّة العديدة الّتي يستشهد بها - في مجال إثبات التّوحيد ، ووحدانيّة الذّات الإلهيّة - ترفض كلّ أنواع التّثنية أو التّثليث - فاللّه سبحانه وتعالى هو وجود مطلق لا يحدّ بالجهات ، وهو أزليّ أبديّ لا حدود لعلمه ولقدرته ولقوّته .
وبديهيّ أنّه لا يمكن تصوّر التّثنية في اللّامتناهي « 2 » ، لأنّ فرض وجود لا متناهيين يجعل من هذين الاثنين متناهيين ومحدودين ، لأنّ وجود الأوّل يفتقر إلى قدرة وقوّة . وجود الثّاني ، كما أنّ وجود الثّاني يفتقر إلى وجود وخصائص الأوّل ، وعلى هذا الأساس فإنّ كلا الوجودين محدودان .
هامش
( 1 ) انظر دائرة المعارف للقرن العشرين ( لفريد وجدي ) في مادّة « ثالوث » . . .
( 2 ) استعمال خاطئ شاع عند البعض حديثا ، وهو إدخال « أل » التّعريف على الحرف « لا » النّافية . . والصّحيح تغيير ذلك إلى : غير المتناهي ، وغير المحدود .