تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 484

مساهمون:

ص٤٨٤
وبعبارة أخرى : إنّنا لو افترضنا وجود لا متناهيين من جميع الجهات ، فلابدّ حين يصل اللّامتناهي الأوّل إلى تخوم اللّامتناهي الثّاني ينتهي إلى هذا الحدّ ، كما أنّ اللّامتناهي الثّاني حين يصل إلى حدّ اللّامتناهي الأوّل ينتهي هو أيضا ، وعلى هذا الأساس فإنّ كليهما يكونان محدودين ، ولا تنطبق صفة على أيّ منهما بل هما متناهيان محدودان ، والنّتيحة هي أنّ ذات اللّه - الّذي هو وجود لا متناه - لا يمكن أن تقبل التّعدّد أبدا . وهكذا فإنّنا لو اعتقدنا بأنّ الذّات الإلهيّة تتكوّن من الأقانيم الثّلاثة ، لا يستلزم أن يكون كلّ من هذه الأقانيم محدودا . ولا تصحّ فيه صفة اللّامحدود واللّامتناهي ، وكذلك فإنّ أيّ مركّب في تكوينه محتاجا إلى أجزائه الّتي تكوّنه ، فوجود المركّب يكون معلولا لوجود أجزائه . وإذا افترضنا التّركيب في ذات اللّه لزم أن تكون هذه الذّات محتاجة أو معلولة لعلّة سابقة ، في حين أنّنا نعرف أنّ اللّه غير محتاج ، وهو العلّة الأولى لعالم الوجود ، وعلّة العلل كلّها منذ الأزل وإلى الأبد . 4 - وبالإضافة إلى كلّ ما ذكر ، كيف يمكن للذّات الإلهيّة أن تتجسّد في هيكل إنسانيّ لتصبح محتاجة إلى الجسم والمكان والغذاء واللّباس وأمثالها ؟ إنّ فرض الحدود للّه الأزليّ الأبديّ ، أو تجسيده في هيكل إنسان ، ووضعه جنينا في رحم أمّ ، يعتبر من أقبح التّهم الّتي تلصق بذات اللّه المقدّسة المنزّهة عن كلّ النّقائص ، كما أنّ افتراض وجود الابن للّه - وهو يستلزم عوارض التّجسيم المختلفة - إنّما هو افتراض غير منطقيّ ، وبعيد عن العقل بعدا مطلقا . وليس أدلّ على ذلك من رفض هذا الأمر من قبل أيّ إنسان لم ينشأ في محيط مسيحيّ ولم يترب منذ طفولته على هذه التّعليمات الوهميّة الخاطئة ؛ حيث تولّد مثل هذه التّعابير المنافية لما تلهمه الفطرة الإنسانيّة ، والمخالفة لما يحكم به العقل البشريّ ، تؤكّد السّخط والاشمئزاز لدى هذا الإنسان حين سماعه لها ، وإذا كان المسيحيّون أنفسهم لا يرون بأسا في كلمات مثل « اللّه الأب » و « اللّه الابن » فما ذلك إلّا لأنّهم جبلوا على هذه التّعاليم الخاطئة منذ نعومة أظفارهم . 5 - لوحظ في السّنين الأخيرة أنّ جماعة من المبشّرين المسيحيّين يلجؤون إلى أمثلة سفسطائيّة من أجل خداع الجهلاء من النّاس ، في قبول قضيّة التّثليث . من هذه الأمثلة قولهم : إنّ اجتماع التّوحيد والتّثليث معا يمكن تشبيهه بقرص الشّمس والنّور والحرارة النّابعتين من هذا القرص ؛ حيث إنّها ثلاثة أشياء في شيء واحد . أو تشبيههم ذلك بانعكاس صورة إنسان في ثلاث مرايا في آن واحد ، فهذا الإنسان مع كونه واحدا إلّا أنّه يظهر وكأنّه ثلاثة في المرايا الثّلاث ، كما يشبّهون التّثليث بالمثلّث الّذي له ثلاث زوايا من الخارج ، ويقولون : بأنّ هذه الزّوايا لو مدّت من الدّاخل لوصلت كلّها إلى نقطة واحدة . لكنّنا بالتّعمّق قليلا في هذه الأمثلة يتبيّن لنا أن لا صلة لها بموضوع بحثنا الحاضر ، فقرص الشّمس شيء ونورها شيء آخر ، والنّور الّذي يتكوّن من الأشعّة فوق الحمراء يختلف عن الحرارة الّتي تتكوّن من الأشعّة دون