تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
إِلى مَرْيَمَ
النّساء : 171 . وقد وردت عبارة : « كلمة » في وصف المسيح في عدد من الآيات القرآنيّة ، وهذه إشارة إلى كون المسيح مخلوقا بشريّا ، إذ أنّ الكلمات مخلوقة من قبل اللّه ، كما أنّ الموجودات في الكون من مخلوقاته عزّ وجلّ ، فكما أنّ الكلمات تبيّن مكنونات أنفسنا - نحن البشر - وتدلّ على صفاتنا وأخلاقيّاتنا ، فإنّ مخلوقات الكون تحكي صفات خالقها وجماله ، وتدلّ على جلاله وعظمته . وعلى هذا الأساس فقد وردت عبارة « كلمة » في عدد من العبارات القرآنيّة ، لتشمل جميع مخلوقات اللّه ، كما في الآية ( 109 ) من سورة الكهف والآية ( 29 ) من سورة لقمان ، وبديهيّ أنّ الكلمات الإلهيّة تتفاوت بعضها عن البعض في المنزلة والأهمّيّة ، وعيسى عليه السّلام ، يعتبر إحدى كلمات اللّه البارزة الأهمّيّة ، لكونه ولد من غير أب ، إضافة إلى كونه يتمتّع بمقام الرّسالة الإلهيّة . 4 - تشير الآية إلى أنّ عيسى المسيح عليه السّلام هو روح مخلوقة من قبل اللّه ؛ حيث تقول :
وَرُوحٌ مِنْهُ
وهذه العبارة الّتي وردت في شأن خلق آدم - أو بعبارة أخرى خلق البشر أجمعين - في القرآن الكريم ، إنّما تدلّ على عظمة تلك الرّوح الّتي خلقها اللّه تعالى وأودعها في أفراد البشر بصورة عامّة ، وفي المسيح عليه السّلام وسائر الأنبياء بصورة خاصّة . وعلى الرّغم من أنّ البعض أساء الاستفادة من هذه العبارة ، وفسّرها بأنّ المسيح عليه السّلام هو جزء من اللّه سبحانه وتعالى ، مستندا إلى عبارة ( منه ) ولكنّ الواضح في مثل هذه الحالات أنّ كلمة « من » ليست للتّبعيض بل تدلّ على مصدر ومنشإ ، وأصل وجود الشّيء . وهناك طرفة تاريخيّة تذكر أنّه كان لهارون الرّشيد طبيب نصرانيّ ، دخل يوما في نقاش مع « عليّ بن الحسين الواقديّ » الّذي كان أحد المفكّرين الإسلاميّين في ذلك العصر ، فقال له هذا الطّبيب : « توجد في كتابكم السّماويّ آية تبيّن أنّ المسيح عليه السّلام هو جزء من اللّه . . . » وتلا هذا النّصرانيّ الآية موضوع البحث ، فردّ عليه « الواقديّ » مباشرة تاليا هذه الآية :
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ . . .
الجاثية : 13 ، وأضاف مبيّنا أنّ كلمة ( من ) لو كانت تفيد التّبعيض ، لاقتضى ذلك أن تكون جميع موجودات السّماء والأرض - بناء على هذه الآية - جزء من اللّه ، فلمّا سمع الطّبيب النّصرانيّ كلام الواقديّ أسلم في الحال ، وسرّ إسلامه هارون الرّشيد ، فكافأ الواقديّ بجائزة مناسبة . إنّ ما يثير العجب - إضافة إلى ما ذكر - هو أنّ المسيحيّين يرون ولادة المسيح من أمّ دون أب دليلا على ألوهيّته ، وهم ينسون في هذا المجال أنّ آدم عليه السّلام كان قد ولد من غير أب ، ولا أمّ ، ولم ير أحد هذه الخصيصة الموجودة في آدم دليلا على ربوبيّته . بعد ذلك تؤكّد الآية على ضرورة الإيمان باللّه الواحد الأحد وبأنبيائه ، ونبذ عقيدة التّثليث ، مبشّرة المؤمنين ، بأنّهم إن نبذوا هذه العقيدة فسيكون ذلك خيرا لهم ؛ حيث قالت الآية :
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ . . .
النّساء : 171 . وتعيد الآية التّأكيد على وحدانيّة اللّه قائلة :
إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ . . .
النّساء : 171 ، وهي تخاطب
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 481 | مجمع البحوث الاسلامية