تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
مكارم الشّيرازيّ : أسطورة التّثليث الوهميّة : تتطرّق هذه الآية والآية الّتي تليها إلى واحد من أهمّ انحرافات الطّائفة المسيحيّة ، وهذا الانحراف هو اعتقاد المسيحيّين بالتّثليث ، أي وجود آلهة ثلاثة ، ويأتي التّطرّق إلى هذا البحث في سياق البحوث القرآنيّة الّتي وردت في الآيات السّابقة ، عن أهل الكتاب والكفّار . فهذه الآية تحذّر في البداية أهل الكتاب من المغالاة والتّطرّف في دينهم ، وتدعوهم أن لا يقولوا على اللّه غير الحقّ ؛ حيث تقول :
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ . . .
النّساء : 171 . لقد كانت قضيّة الغلوّ في حقّ القادة السّابقين إحدى أخطر منابع الانحراف في الأديان السّماويّة ، فالإنسان بما أنّه يميل إلى ذاته يندفع بهذا الميل إلى إظهار زعمائه وقادته بصورة أكبر ممّا هم عليه ، لكي يضفي على نفسه الأهمّيّة والعظمة من خلال هؤلاء القادة ، وقد يدفع الإنسان التّصوّر الواهي بأنّ الإيمان هو المبالغة والغلوّ في احترام وتعظيم القادة ، إلى الوقوع في متاهات هذا النّوع من الانحراف الرّهيب . والغلوّ في أصله ينطوي على عيب كبير يفسد العنصر الأساسيّ للدّين - الّذي هو عبادة اللّه وتوحيده - ولهذا السّبب فقد عامل الإسلام الغلاة أو المغالين بعنف وشدّة ؛ إذ عرّفت كتب الفقه والعقائد هذه الفئة من النّاس بأنّهم أشدّ كفرا من الآخرين . بعد ذلك تشير الآية الكريمة إلى عدّة نقاط ، يعتبر كلّ واحد منها في حدّ ذاته دليلا على بطلان قضيّة التّثليث ، وعدم صحّة ألوهيّة المسيح عليه السّلام ، وهذه النّقاط هي : 1 - لقد حصرت الآية بنوّة السّيّد المسيح عليه السّلام بمريم عليها السّلام وإشارة البنوّة - هذه الواردة في ستّة عشر مكانا من القرآن الكريم - إنّما تؤكّد أنّ المسيح عليه السّلام هو إنسان كسائر النّاس ، خلق في بطن أمّه ، ومرّ بدور الجنين في ذلك الرّحم ، وفتح عينيه على الدّنيا حين ولد من بطن مريم عليها السّلام ، كما يولد أفراد البشر من بطون أمّهاتهم ، ومرّ بفترة الرّضاعة وتربّى في حجر أمّه ، ممّا يثبت بأنّه امتلك كلّ صفات البشر ، فكيف يمكن - وحالة المسيح عليه السّلام هذه - أن يكون إلها أزليّا أبديّا ، وهو في وجوده محكوم بالظّواهر والقوانين المادّيّة الطّبيعيّة ، ويتأثّر بالتّحوّلات الجارية في عالم الوجود ؟ ! وعبارة الحصر الّتي هي ( انّما ) الواردة في الآية تحصر بنوّة المسيح عليه السّلام بمريم عليها السّلام ، وتؤكّد على أنّه وإن لم يكن له والد ، فليس معنى ذلك أنّ أباه هو اللّه ، بل هو فقط ابن مريم عليها السّلام . 2 - تؤكّد الآية الكريمة أنّ المسيح عليه السّلام هو رسول اللّه ومبعوث إلى البشر من قبله سبحانه وتعالى ، وأنّ هذه المنزلة - أي منزلة النّبوّة - لا تتناسب ومقام الألوهيّة . والجدير بالذّكر هو أنّ معظم كلام المسيح عليه السّلام الوارد قسم منه في الأناجيل المتداولة في الوقت الحاضر ، إنّما يؤكّد نبوّته وبعثته لهداية النّاس ، وليس فيه دلالة على ادّعائه والألوهيّة والرّبوبيّة . 3 - تبيّن الآية أنّ عيسى المسيح عليه السّلام هو كلمة اللّه الّتي ألقاها إلى مريم عليها السّلام ؛ حيث تقول :
وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها