تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 471

مساهمون:

ص٤٧١
مقترنا بالماهيّة المعدومة ، متعيّنا بحسبها أو بالعكس ، وذلك محال بوجهيه لأنّ التّجرّد عن الماهيّة ذاتيّ للحقّ تعالى ، والاقتران بها ذاتيّ للممكن ، وما بالذّات لا يزول . وفي كتاب « المعرفة » للشّيخ الأكبر قدّس سرّه ، إذا كان الاتّحاد مصيّر الذّاتين واحدة فهو محال لأنّه إن كان عين كلّ منهما موجودا في حال الاتّحاد فهما ذاتان وإن عدمت العين الواحدة وثبتت الأخرى فليست إلّا واحدة ، وقال في كتاب « الياء » وهو كتاب الاتّحاد : محال ، وساق الكلام إلى أن قال : فلا اتّحاد ألبتّة لا من طريق المعنى ولا من طريق الصّورة ، وقال في الباب الخامس من الفتوحات خطابا من الحقّ تعالى للرّوح الكلّيّ : وقد حجبتك عن معرفة كيفيّة إمدادي لك بالأسرار الإلهيّة ، إذ لا طاقة لك بحمل مشاهدتها ، إذ لو عرفتها لاتّحدت الإنّيّة واتّحاد الإنّيّة محال ، فمشاهدتك لذلك محال ، هل ترجع إنّيّة المركّب إنّيّة البسيط ؟ لا سبيل إلى قلب الحقائق ، وأمّا إنّهم لم يقولوا بالحلول فلأنّهم فسّروا الحلول تارة بأنّه الحصول على سبيل التّبعيّة ، وتارة بأنّه كون الموجود في محلّ قائما به ، ومن المعلوم أنّ الواجب تعالى - وهو الوجود المحض القائم بذاته المتعيّن كذلك - يستحيل عليه القيام بغيره . قال الشّيخ الأكبر قدّس سرّه في الباب الثّاني والتّسعين ومئتين من الفتوحات : نور الشّمس إذا تجلّى في البدر يعطي من الحكم ما لا يعطيه من الحكم بغير البدر ، لا شكّ في ذلك ، كذلك الاقتدار الإلهيّ إذا تجلّى في العبد يظهر الأفعال عن الخلق ، فهو وإن كان بالاقتدار الإلهيّ ، لكن يختلف الحكم ، لأنّه بواسطة هذا المجلى الّذي كان مثل المرآة لتجلّيه ، وكما يعلم عقلا أنّ القمر في نفسه ليس فيه من نور الشّمس شيء وإنّ الشّمس ما انتقلت إليها بذاتها وإنّما كان لها مجلى ، كذلك العبد ليس فيه من خالقه شيء ولا حلّ فيه وإنّما هو مجلى له وخاصّة ومظهر له ، انتهى . وهذا نصّ في نفي الحلول ، ومنشأ غلط المحجوبين ، المنكرين عدم الفهم لكلام هؤلاء السّادة ، نفعنا اللّه تعالى بهم على وجهه ، وعدم التّمييز بين الحلول والتّجلّي ، ولم يعلموا أنّ كون الشّيء مجليا لشيء ليس كونه محلّا له ، فإنّ الظّاهر في المرآة خارج عن المرآة بذاته قطعا ، بخلاف الحال في محلّ فإنّه حاصل فيه ، فالظّهور غير الحلول . فإنّ الظّهور في المظاهر للواسع القدّوس يجامع التّنزيه بخلاف الحلول ، نعم وقع في كلامهم التّعبير بالحلول ، ومرادهم به الظّهور . وكان الأولى بحسب الظّاهر عدم التّعبير بمثل ذلك ، ولكن للقوم أحوال ومقامات لا تصل إليها أفهامنا ، ولعلّ عذرهم واضح عند المنصفين ، إذا علمت ذلك وتحقّقت اختلاف النّصارى في عقائدهم ، فاعلم أنّه سبحانه إنّما حكى في بعض الآيات قول بعض منهم ، وفي بعض آخر قول آخرين ، وحكاية دعواهم ألوهيّة مريم عليها السّلام كدعواهم ألوهيّة عيسى عليه السّلام ، ممّا نطق بها القرآن ولم يشع ذلك عنهم صريحا ، لكن يلزمهم ذلك بناء على ما حقّقه الإمام الرّازيّ رحمه اللّه تعالى ، والنّصارى اليوم ينكرونه واللّه تعالى أصدق القائلين ، ويمكن أن يقال : إنّ مدّعي ألوهيّتها عليها السّلام صريحا طائفة