تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
الأقانيم ، فقال بعضهم : هي خواصّ ، وقال بعضهم : هي أشخاص ، وقال بعضهم : هي صفات . وقالوا : إنّ الكلمة اتّحدت بعيسى ؛ واختلفوا في الاتّحاد . ثمّ قال : وليس لهذه المذاهب شبهة تقبلها العقول ، وفسادها ظاهر في المعقول ، وقوله تعالى : انتهوا : أي عن التّثليث . ( 5 : 1764 ) رشيد رضا : أي فإذا كان الأمر كذلك وهو المعقول ، الّذي لا تحتمل غيره النّقول ، فآمنوا باللّه إيمانا يليق به وهو أنّه واحد أحد ، فرد صمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ، تنزّه عن صفات الحوادث ، ونسبتها إليه واحدة ، وهي أنّها مخلوقة وهو الخالق ، ومملوكة وهو المالك ، وأنّ هذه الأرض في مجموع ملكه أقلّ من حبّة رمل بالنّسبة إلى اليابس منها ، ومن نقطة ماء بالنّسبة إلى بحارها وأنهارها ، فمن الجهل الفاضح أن يجعل له ندّ وكفؤ فيها ، أو يقال : إنّه حلّ أو اتّحد بشيء منها ، وآمنوا برسله كلّهم ، كما يليق بهم ، وهو أنّهم عبيد له ، خصّهم بضرب من العلم والهداية ( الوحي ) ليعلّموا النّاس كيف يوحّدون ربّهم ويعبدونه ويشكرونه ، وكيف يزكّون أنفسهم ، ويصلحون ذات بينهم . ولا تقولوا : الآلهة ثلاثة : الأب والابن وروح القدس ، أو : اللّه ثلاثة أقانيم ، كلّ منها عين الآخر ، فكلّ منها إله كامل ، ومجموعها إله واحد . فتسفّهوا أنفسكم بترك التّوحيد الخالص الّذي هو ملّة إبراهيم وسائر الأنبياء عليهم السّلام ، والقول بالتّثليث الّذي هو عقيدة الوثنيّين الطّغام ، ثمّ تدعوا الجمع بين التّثليث الحقيقيّ والتّوحيد الحقيقيّ ، وهو تناقض تحيله العقول ولا تقبله الأفهام . [ إلى أن قال : ]
وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا
الأحزاب : 3 ، أي به الكفاية لمن عرفه وعرف سننه في خلقه إذا وكلوا إليه أمورهم ، ولم يحاولوا الخروج عن سننه وشرائعه بسوء اختيارهم . قلنا : إنّ هذه العقيدة وثنيّة ، نقلها الوثنيّون المتنصّرون إلى النّصرانيّة ، وقسروا بعض الألفاظ الواردة في كتبهم اليهوديّة على أن تغطيهم شبهة يتّكئون عليها في هذا التّضليل ، وأرغموها عليه بضرب من التّحريف والتّأويل ، هدّموا به آيات التّوحيد القويّة البنيان ، العالية الأركان . أمّا كون هذه العقيدة وثنيّة فقد بيّنه علماء أوربّة بالتّفصيل ، وأتوا عليه بالشّواهد الكثيرة من الآثار القديمة والتّاريخ ، وإنّنا نشير إلى قليل منها في هذا المقام .

التّثليث عند البراهمة

قال موريس في ص ( 35 ) من المجلّد السّادس من كتابه « الآثار الهنديّة القديمة » ما ترجمته : كان عند أكثر الأمم الوثنيّة البائدة تعاليم دينيّة جاء فيها القول باللّاهوت الثّلاثيّ أو الثّالوثيّ . وقال دوان في ص ( 366 ) من كتابه « خرافات التّوراة وما يماثلها في الأديان الأخرى » : إذا رجعنا البصر إلى الهند نرى أنّ أعظم وأشهر عبادتهم اللّاهوتيّة هو التّثليث . ويسمّون هذا التّعليم بلغتهم « ترى مورتي » وهي عبارة مركّبة من كلمتين بلغتهم السّنسكريتيّة « ترى » ومعناها ثلاثة ، و « مورتي » ومعناها هيئات أو أقانيم ، وهي « برهما وفشنو وسيفا » ثلاثة أقانيم متّحدة لا تنفكّ عن الوحدة فهي إله واحد بزعمهم . وقد شرح المؤلّف معنى هذه الأصول أو الأقانيم