قالوا : بأنّ إلههم عيسى الّذي * ذرّ الوجود على الخليقة كلّها
خلق أمّه قبل الحلول ببطنها * ما كان أغنى ذاته عن مثلها
هل كان محتاجا لشرب لبانها * أو أن يربّى في مواطن حجرها
جعلوه ربّا جوهرا من جوهر * ذهبوا لما لا يرتضيه أولو النّهى
قالوا : وجاء من السّماء عناية * لخلاص آدم من لظاه وحرّها
قد تاب آدم توبة مقبولة * فضلالهم جعل الفداء بغيرها
لو جاء في ظلل الغمام وحوله * شرفا ملائكة السّماء بأسرها
وفدى الّذي بيديه أحكم طينه * بالعفو عن كلّ الأمور وسترها
ثمّ اجتباه محبّبا ومفضّلا * ووقاه من غيّ النّفوس وشرّها
كنتم تحلّون الإله مقامه * فيما تراه نفوسكم من شركها
من غير أن يحتاج في تخليصه * كلّ الخلائق أن تبوء بضرّها
ويشينه الأعداء بما لا يرتضى * من كيدها وبما دهى من مكرها
هذي أمانتهم وهذا شرحها * اللّه أكبر من معاني كفرها
ثمّ اعلم أنّه لا حجّة للنّصارى القائلين بالتّثليث بما روي عن متّى التّلميذ أنّه قال : إنّ المسيح عندما ودّعهم قال : اذهبوا وعمّدوا الأمم باسم الأب والابن وروح القدس ، ومن هنا جعلوا مفتتح الإنجيل ذلك ، كما أنّ مفتتح القرآن « بسم اللّه الرّحمن الرّحيم » ويوهم كلام بعض منّا أنّ هذه التّسمية نزلت من السّماء كالبسملة عندنا ، لأنّا نقول - على تقدير صحّة الرّواية ، ودونها خرط القتاد - : يحتمل أن يراد بالأب : المبدأ ، فإنّ القدماء كانوا يسمّون المبادئ بالآباء ، ومن الابن :
الرّسول ، وسمّي بذلك تشريفا وإكراما كما سمّي إبراهيم عليه السّلام خليلا ، أو باعتبار أنّهم يسمّون الآثار أبناء ، وقد رووا عن المسيح عليه السّلام أنّه قال : إنّي ذاهب إلى أبي وأبيكم ، وقال : لا تعطوا صدقاتكم قدّام النّاس لتراءوهم فإنّه لا يكون لكم أجر عند أبيكم الّذي في السّماء .
وربّما يقال : إنّ الابن بمعنى الحبيب أو نحوه ، ويشير إلى ذلك ما رووه أنّه عليه السّلام قال عقيب وصيّة وصّى بها الحوارييّن : لكي تكونوا أبناء أبيكم الّذي في السّماء ، وتكونوا تامّين ، كما أنّ أباكم الّذي في السّماء تامّ ، ويراد بروح القدس : جبريل عليه السّلام ، والمعنى عمّدوا ببركة اللّه تعالى ورسوله صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم والملك المؤيّد للأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام على تبليغ أوامر ربّهم .
وفي « كشف الغين » عن الفرق بين البسملتين للشّيخ عبد الغني النّابلسيّ قدّس سرّه : أنّ بسملة النّصارى مشيرة إلى ثلاث حضرات للأمر الإلهيّ الواحد الأحد : الغيب المطلق ، فالأب إشارة إلى الرّوح الّذي هو أوّل مخلوق للّه تعالى كما في الخبر ، وهو المسمّى بالعقل والقلم والحقيقة المحمّديّة ، ويضاف إلى اللّه تعالى فيقال :