التّكاليف .
وإن زعموا أنّهم قد خلصوا من أحكام الدّار الآخرة ، فمن ارتكب محرّما منهم لم يؤاخذ ، أكذبهم الإنجيل والنّبوّات ، إذ يقول المسيح في الإنجيل : إنّي أقيم النّاس يوم القيامة عن يميني وشمالي ، فأقول لأهل اليمين :
فعلتم كذا وكذا ، فاذهبوا إلى النّعيم المعدّ لكم قبل تأسيس الدّنيا ، وأقول لأهل الشّمال : فعلتم كذا وكذا فاذهبوا إلى العذاب المعدّ لكم قبل تأسيس العالم .
السّادس : أنّ قولهم : وتجسّد من روح القدس ، باطل بنصّ الإنجيل ؛ إذ يقول متّى في الفصل الثّاني منه :
إنّ يوحنّا المعمدانيّ حين عمد المسيح جاءت روح القدس إليه من السّماء في صفة حمامة ، وذلك بعد ثلاثين عمره .
السّابع : أنّ قولهم : إنّ المسيح نزل من السّماء وحملت به مريم وسكن في رحمها مكذب بقول لوقا الإنجيليّ ؛ إذ يقول في قصص الحواريّين في الفصل الرّابع عشر منه : إنّ اللّه تعالى هو خالق العالم بما فيه ، وهو ربّ السّماء والأرض لا يسكن الهياكل ، ولا تناله أيدي الرّجال ، ولا يحتاج إلى شيء من الأشياء ، لأنّه الّذي أعطى النّاس الحياة ، فوجودنا به ، وحياتنا وحركاتنا منه ، فقد شهد لوقا بأنّ الباري وصفاته لا تسكن الهياكل ولا تناله الرّجال بأيديها ، وهذا ينافي كون الكلمة سكنت في هيكل مريم ، وتحوّلت إلى هيكل المسيح .
الثّامن : أنّ قولهم : إنّه بعد أن قتل وصلب قام من بين الأموات وصعد إلى السّماء وجلس عن يمين أبيه ، من الكذب الفاحش المستلزم للحدوث .
التّاسع : أنّ قولهم : إنّ يسوع هذا الرّبّ الّذي صلب وقتل مستعدّ للمجيء تارة أخرى لفصل القضاء بين الأموات والأحياء بمنزلة قول القائل :
لألفينّك بعد الموت تندبني * وفي حياتي ما زوّدتني زادا
إذ زعموا أنّه في المرّة الأولى عجز عن خلاص نفسه حتّى تمّ عليه من أعدائه ما تمّ ، فكيف يقدر على خلاصهم بجملتهم في المرّة الثّانية ؟
العاشر : أنّ قولهم : ونؤمن بمعموديّة واحدة لغفران الذّنوب ، فيه مناقضة لأصولهم ، وذلك أنّ اعتقاد النّصارى أنّه لم تغفر خطاياهم بدون قتل المسيح ، ولذلك سمّوه جمل اللّه تعالى الّذي يحمل عليه الخطايا ، ودعوه مخلّص العالم من الخطيئة ، فإذا آمنوا بأنّ المعموديّة الواحدة هي الّتي تغفر خطاياهم وتخلّص من ذنوبهم ، فقد صرّحوا بأنّه لا حاجة إلى قتل المسيح ، لاستقلال المعموديّة بالخلاص والمغفرة ، فإن كان التّعميد كافيا للمغفرة ، فقد اعترفوا أنّ وقوع القتل عبث . وإن كانت لا تحصل إلّا بقتله ، فما فائدة التّعميد وما هذا الإيمان ؟
فهذه عشرة وجوه كاملة في ردّ تلك الأمانة وإظهار ما لهم فيها من الخيانة ، ومن أمعن نظره ردّها بأضعاف ذلك .
بطلت أمانتهم فمن مضمونها * ظهرت خيانتها خلال سطورها
بدأوا بتوحيد الإله وأشركوا * عيسى به ، فالخلف في تعبيرها