روح اللّه تعالى للتّشريف والتّعظيم ك ( ناقة اللّه ) تعالى ، وروح القدس إشارة إليه أيضا باعتبار ظهوره بصورة البشر السّويّ النّافخ في درع مريم عليها السّلام ، والابن إشارة إلى عيسى عليه السّلام ، وهو ابن لذلك الرّوح باعتبار أنّ تكوّنه بسبب نفخه ، والأب هو الابن ، والابن هو روح القدس في الحقيقة ، والغيب المطلق منزّه مقدّس عن هذه الثّلاثة ، فإنّه سبحانه من حيث هو لا شيء معه ، ولا يمكن أن يكون معه شيء ، فبسملة الإنجيل من مقام الصّفات الإلهيّة والأسماء الرّبّانيّة ، لا من مقام الذّات الأقدسيّة .
ثمّ لا يتوهّمن متوهّم أنّ كلمات ساداتنا الصّوفيّة قدّس اللّه تعالى أسرارهم تدندن حول كلمات النّصارى ، كما يزعمه من لا اطّلاع له على تحقيق كلامهم ، ولا ذوق له في مشربهم ، وذلك لأنّ القوم - نفعنا اللّه تعالى بهم - مبرؤون عمّا نسبه المحجوبون إليهم ، من اعتقاد التّجسيم والعينيّة والاتّحاد والحلول .
أمّا أنّهم لم يقولوا بالتّجسيم فلما تقرّر عندهم من أنّ الحقّ سبحانه هو الوجود المحض الموجود بذاته القائم بذاته المتعيّن بذاته ، وكلّ جسم فهو صورة في الوجود المنبسط على الحقائق المعبّر عنه بالعماء ، متعيّنة بمقتضى استعداد ماهيّته المعدومة ، ولا شيء من الوجود المجرّد من الماهيّة ، المتعيّن بذاته بالصّورة المتعيّنة في الوجود ، المنبسط بمقتضى الماهيّة المعدومة ، فلا شيء من الجسم بالوجود المجرّد عن الماهيّة المتعيّن بذاته ، وتنعكس إلى لا شيء من الوجود ، المجرّد عن الماهيّة ، المتعيّن بذاته بجسم وهو المطلوب .
وأمّا أنّهم لم يقولوا بالعينيّة ، فلأنّ الحقّ تعالى هو ما علمت من الوجود المحض ، إلخ ، والمخلوق هو الصّورة الظّاهرة في الوجود ، المنبسط على الحقائق المتعيّن بحسب ماهيّته المعدومة ، ولا شيء من المجرّد عن الماهيّة المتعيّن بذاته بالمقترن بالماهيّة المتعيّن بحسبها . وممّا يشهد لذلك قول الشّيخ الأكبر قدّس سرّه في الباب الثّامن والخمسين والخمسمئة من « الفتوحات » في حضرة البديع بعد بسط : وهذا يدلّك على أنّ العالم ما هو عين الحقّ ، وإنّما ظهر في الوجود الحقّ ، إذ لو كان عين الحقّ ما صحّ كونه بديعا ، وقوله في هذا الباب أيضا في قوله تعالى :
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ
الأنعام : 19 ، انفرد سبحانه بعلمها ، ونفى العلم عن كلّ ما سواه . فأثبتك في هذه الآية وأعلمك أنّك لست هو ، إذ لو كنت هو لعلمت مفاتح الغيب بذاتك ، وما لا تعلمه إلّا بموقف فلست عين الموقف ، وكذا قال غير واحد .
وقال الشّيخ شرف الدّين إسماعيل بن سود كين في شرح التّجلّيّات ، نقلا عن الشّيخ قدّس سرّه أيضا : لمّا ظهرت الممكنات بإظهار اللّه تعالى لها ، وتحقّق ذلك تحقّقا لا يمكن للممكن أن يزيل هذه الحقيقة أبدا ، فبقي متواضعا لكبرياء اللّه تعالى خاشعا له ، وهذه سجدة الأبد ، وهي عبارة عن معرفة العبد بحقيقته .
ومن هنا يعلم حقيقة قوله سبحانه : « كنت سمعه وبصره » الحديث ، ولمّا لاح من هذا المشهد لبعض الضّعفاء لائح قال : أنا الحقّ فسكر وصاح ، ولم يتحقّق لغيبته عن حقيقته انتهى .
وأمّا أنّهم لم يقولوا بالاتّحاد ، فلأنّ الاتّحاد إمّا بصيرورة الوجود المحض المجرّد ، المتعيّن بذاته وجودا