الثّاني : أنّ قولهم : إنّ يسوع المسيح ابن اللّه تعالى بكر الخلائق ، مشعر بحدوث المسيح إذ لا معنى لكونه ابنه إلّا تأخّره عنه ؛ إذ الوالد والولد لا يكونان معا في الوجود ، وكونهما معا مستحيل ببداهة العقول ، لأنّ الأب لا يخلو إمّا أن يكون ولد ولدا لم يزل أو لم يكن ، فإن قالوا : ولد ولدا لم يزل ، قلنا : فما ولد شيئا إذ الابن لم يزل ، وإن ولد شيئا لم يكن ، فالولد حادث مخلوق ، وذلك مكذب لقولهم : إله حقّ من إله حقّ من جوهر أبيه ، وأنّه أتقن العوالم بيده وخلق كلّ شيء .
الثّالث : أنّ قولهم : إله حقّ من إله حقّ من جوهر أبيه ، يناقضه قول المسيح في الإنجيل : وقد سئل عن يوم القيامة فقال : لا أعرفه ولا يعرفه إلّا الأب وحده . فلو كان من جوهر الأب لعلم ما يعلمه الأب ، على أنّه لو جاز أن يكون إله ثان من إله أوّل لجاز أن يكون إله ثالث من إله ثان ، ولما وقف الأمر على غاية وهو محال .
الرّابع : أنّ قولهم : إنّ يسوع أتقن العوالم بيده ، وخلق كلّ شيء باطل مكذب لما في الإنجيل ؛ إذ يقول متّى : هذا مولد يسوع المسيح بن داود ، وأيضا خالق العالم لا بدّ وأن يكون سابقا عليه ، وأنّى بسبق المسيح وقد ولدته مريم ؟ وأيضا في الإنجيل إنّ إبليس قال للمسيح : اسجد لي وأعطيك جميع العالم ، وأملّكك كلّ شيء ، ولا زال يسحبه من مكان إلى مكان ، ويحول بينه وبين مراده ، ويطمع في تعبّده له ، فكيف يكون خالق العالم محصورا في يد بعض العالم ؟ ! نعوذ باللّه تعالى من الضّلالة .
الخامس : أنّ قولهم : المسيح الإله الحقّ الّذي نزل من السّماء لخلاص النّاس ، وتجسّد من روح القدس ، وصار إنسانا ، وحبل به وولد ، فيه عدّة مفاسد .
منها : أنّ المسيح لا يخصّ مجرّد الكلمة ولا مجرّد الجسد بل هو اسم يخصّ هذا الجسد الّذي ولدته مريم عليها السّلام ، ولم تكن الكلمة في الأزل مسيحا ، فبطل أن يكون هو الّذي نزل من السّماء .
ومنها : أنّ الّذي نزل من السّماء لا يخلو إمّا أن يكون الكلمة أو النّاسوت ، فإن زعموا أنّ الّذي نزل هو النّاسوت فكذب صراح لأنّ ناسوته من مريم ، وإن زعموا أنّه اللّاهوت ، فيقال : لا يخلو إمّا أن يكون الذّات أو العلم المعبّر عنه بالكلمة ، فإن كان الأوّل لزم لحوق النّقائص للباري عزّ اسمه ، وإن كان الثّاني لزم انتقال الصّفة وبقاء الباري بلا علم ، وذلك باطل .
ومنها : أنّ قولهم : إنّما نزل لخلاص معشر النّاس ، يريدون به أنّ آدم عليه السّلام لمّا عصى أوثق سائر ذرّيّته في حبالة الشّيطان وأوجب عليهم الخلود في النّار ، فكان خلاصهم بقتل المسيح وصلبه والتّنكيل به ، وذلك دعوى لا دلالة عليها . هب أنّا سلّمناها لهم ، لكن يقال :
أخبرونا ممّ هذا الخلاص الّذي تعني الإله الأزليّ له وفعل ما فعل بنفسه لأجله ؟ ولم خلّصكم ؟ وممّن خلّصكم ؟ وكيف استقلّ بخلاصكم دون الأب والرّوح والرّبوبيّة بينهم ؟ وكيف ابتذل وامتهن في خلاصكم دون الأب والرّوح ؟ فإن زعموا أنّ الخلاص من تكاليف الدّنيا وهمومها أكذبهم الحسّ ، وإن كان من تكاليف الشّرع وأنّهم قد حطّ عنهم الصّلاة والصّوم مثلا أكذبهم المسيح والحواريّون بما وضعوه عليهم من
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 467
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٤٦٧