هو ، فإمّا أن يريدوا به أنّ اللّاهوت صار عين النّاسوت كما يصرّح به قولهم : صار هو هو ، فيرجع إلى تجويز انقلاب الحقائق ، وهو محال كما علمت . وإمّا أن يريدوا به أنّ اللّاهوت اتّصف بالنّاسوت ، فهو أيضا محال لما ثبت من امتناع حلول الحادث بالقديم ، أو أنّ النّاسوت اتّصف باللّاهوت ، وهو أيضا محال لامتناع حلول القديم بالحادث .
وأمّا من قال منهم : بأنّ جوهر الإله القديم وجوهر الإنسان المحدث تركّبا وصارا جوهرا واحدا هو المسيح ، فباطل من وجهين : الأوّل : ما ذكر من إبطال الاتّحاد ، الثّاني : أنّه ليس جعل النّاسوت لاهوتا بتركّبه مع اللّاهوت أولى من جعل اللّاهوت ناسوتا من جهة تركّبة مع النّاسوت ، ولم يقولوا به .
وأمّا جوهر الفحمة إذا ألقيت في النّار ، فلا نسلّم أنّه صار بعينه جوهر النّار بل صار مجاورا لجوهر النّار ، وغايته أنّ بعض صفات جوهر الفحمة وأعراضها بطلت بمجاورة جوهر النّار ، أمّا إنّ جوهر أحدهما صار جوهر الآخر فلا .
وأمّا قولهم : إنّ الاتّحاد بالنّاسوت الجزئيّ دون الكلّيّ فمحال ، لأدلّة إبطال الاتّحاد وحلول القديم بالحادث ، وبذلك يبطل قولهم : إنّ مريم ولدت إلها ، وقولهم : القتل وقع على اللّاهوت والنّاسوت معا ، على أنّه يوجب موت الإله ، وهو بديهيّ البطلان .
وأمّا قول من قال : إنّ المسيح مع اتّحاد جوهره قديم من وجه محدث من وجه ، فباطل لأنّه إذا كان جوهر المسيح متّحدا لا كثرة فيه ، فالحدوث إمّا أن يكون لعين ما قيل بقدمه ، أو لغيره ؛ فإن كان الأوّل فهو محال وإلّا لكان الشّيء الواحد قديما لا أوّل له حادثا له أوّل وهو متناقض ، وإن كان الثّاني فهو خلاف المفروض .
وأمّا قول من قال : إنّ الكلمة مرّت بمريم كمرور الماء في الميزاب ، فيلزم منه انتقال الكلمة وهو ممتنع كما لا يخفى ، وبه يبطل قول من قال : إنّ الكلمة كانت تدخل جسد المسيح تارة وتفارقه أخرى .
وقولهم : إنّ ما ظهر من صورة المسيح في النّاسوت لم يكن جسما بل خيالا كالصّورة المرئيّة في المرآة ، باطل لأنّ من أصلهم أنّ المسيح إنّما أحيا الميّت ، وأبرأ الأكمه والأبرص بما فيه من اللّاهوت ، فإذا كان ما ظهر فيه من اللّاهوت لا حقيقة له بل هو خيال محض لا يصلح لحدوث ما حدث عن الإله عنه .
والقول : بأنّ أقنوم الحياة مخلوق حادث ، ليس كذلك لقيام الأدلّة على قدم الصّفات فهو قديم أزليّ ، كيف وأنّه لو كان حادثا لكان الإله قبله غير حيّ ، ومن ليس بحيّ لا يكون عالما ولا ناطقا .
وقول من قال : إنّ المسيح مخلوق قبل العالم ، وهو خالق لكلّ شيء ، باطل لقيام الأدلّة على أنّه كان اللّه تعالى ولا شيء غيره .
وأمّا الأمانة الّتي هم بها متقرّبون ، وبما حوته متعبّدون ، فبيان اضطرابها وتناقضها وتهافتها من وجوه .
الأوّل : أنّ قولهم : نؤمن بالواحد الأب صانع كلّ شيء ، يناقض قولهم : وبالرّبّ الواحد المسيح إلخ مناقضة لا تكاد تخفى .
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 466
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٤٦٦