تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
أراد أبو عليّ موافقة قوله :
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ
أي أحد آلهة ثلاثة ، والّذي يظهر أنّ الّذي أثبتوه هو ما أثبت في الآية خلافه ، والّذي أثبت في الآية بطريق الحصر إنّما هو وحدانيّة اللّه تعالى وتنزيهه أن يكون له ولد ، فيكون التّقدير : ولا تقولوا : اللّه ثلاثة . ويترجّح قول أبي عليّ بموافقته الآية الّتي ذكرناها ، وبقوله تعالى :
سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ
النّساء : 171 ، والنّصارى وإن اختلفت فرقهم فهم مجمعون على التّثليث . ( 3 : 401 ) ابن كثير : أي لا تجعلوا عيسى وأمّه مع اللّه شريكين ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا ، وهذه الآية والّتي في سورة المائدة : 73 ، حيث يقول تعالى :
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ
وكما قال في آخر السّورة المذكورة :
وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي
الآية : 116 ، وقال في أوّلها :
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ
الآية : 17 . ( 2 : 46 ) الآلوسيّ :
وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ
أي الآلهة ثلاثة : اللّه سبحانه ، والمسيح ، ومريم ، كما ينبئ عنه قوله تعالى :
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
إذ معناه ( الهين ) غير اللّه تعالى ، فيكونون معه ثلاثة . وحكي هذا التّقدير عن الزّجّاج ، أو اللّه سبحانه ثلاثة إن صحّ عنهم أنّهم يقولون : اللّه تعالى جوهر واحد ثلاثة أقانيم : أقنوم الأب ، وأقنوم الابن ، وأقنوم روح القدس ، وأنّهم يريدون بالأوّل : الذّات أو الوجود ، وبالثّاني : العلم أي الكلمة ، وبالثّالث : الحياة ، كذا قيل . وتحقيق الكلام في هذا المقام على ما ذكره بعض المحقّقين أنّ النّصارى اتّفقوا على أنّ اللّه تعالى جوهر بمعنى قائم بنفسه غير متحيّز ، ولا مختصّ بجهة ، ولا مقدّر بقدر ، ولا يقبل الحوادث بذاته ، ولا يتصوّر عليه الحدوث والعدم ، وأنّه واحد بالجوهريّة ، ثلاثة بالأقنوميّة ، والأقانيم صفات للجوهر القديم ، وهي الوجود ، والعلم ، والحياة . وعبّروا عن الوجود بالأب ، والحياة بروح القدس ، والعلم بالكلمة . ثمّ اختلفوا ، فذهب الملكانيّة أصحاب ملكا الّذي ظهر بالرّوم واستولى عليها : إلى أنّ الأقانيم غير الجوهر القديم ، وأنّ كلّ واحد منها إله وصرّحوا بإثبات التّثليث ، وقالوا : إنّ اللّه ثالث ثلاثة سبحانه وتعالى عمّا يشركون ، وأنّ الكلمة اتّحدت بجسد المسيح وتدرّعت بناسوته ، وامتزجت به امتزاج الماء بالخمر ، وانقلبت الكثرة وحدة ، وأنّ المسيح ناسوت كلّيّ لا جزئيّ ، وهو قديم أزليّ . وأنّ مريم ولدت إلها أزليّا مع اختلافهم في مريم أنّها إنسان كلّيّ أو جزئيّ . واتّفقوا على أنّ اتّحاد اللّاهوت بالمسيح دون مريم ، وأنّ القتل والصّلب وقع على النّاسوت واللّاهوت معا ، وأطلقوا لفظ « الأب » على اللّه تعالى ، و « الابن » على عيسى عليه السّلام ، وذهب نسطور الحكيم - في زمان المأمون - إلى أنّ اللّه تعالى واحد والأقانيم الثّلاثة ليست غير ذاته ولا نفس ذاته ، وأنّ الكلمة اتّحدت بجسد المسيح ، لا بمعنى الامتزاج بل بمعنى الإشراق ، أي أشرقت عليه كإشراق الشّمس من كوّة على بلّور . ومن النّسطوريّة من قال : إنّ كلّ واحد من الأقانيم
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 459 | مجمع البحوث الاسلامية