اختلافهم . وقام لهم البترك وأمرهم أن يبحثوا عن القول المرضي ، فاتّفق رأيهم على شيء فحرّروه وسمّوه بالأمانة ، وأكثرهم اليوم عليها ، وهي :
« نؤمن باللّه تعالى الواحد الأب صانع كلّ شيء ، مالك كلّ شيء ، صانع ما يرى وما لا يرى ، وبالرّبّ الواحد المسيح ابن اللّه تعالى الواحد بكر الخلائق كلّها الّذي ولد من أبيه قبل العوالم كلّها وليس بمصنوع ، إله حقّ ، من إله حقّ ، من جوهر أبيه الّذي بيده أتقنت العوالم ، وخلق كلّ شيء الّذي من أجلنا معاشر النّاس ، ومن أجل خلاصنا نزل من السّماء وتجسّد من روح القدس ومريم ، وصار إنسانا وحبل به وولد من مريم البتول واتّجع ، وصلب أيّام فيلاطس ودفن ، وقام في اليوم الثّالث - كما هو مكتوب - وصعد إلى السّماء وجلس على يمين أبيه ، وهو مستعدّ للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء ، ونؤمن بروح القدس الواحد روح الحقّ الّذي يخرج من أبيه وبعموديّة واحدة لغفران الخطايا ، والجماعة واحدة قدسيّة كاطولكيّة ، وبالحياة الدّائمة إلى أبد الآبدين » انتهى .
وهذه جملة الأقاويل ، وما لهؤلاء الكفرة من الأباطيل ، وهي مع مخالفتها للعقول ومزاحمتها للأصول ، ممّا لا مستند لها ولا معوّل لهم فيها غير التّقليد لأسلافهم ، والأخذ بظواهر ألفاظ لا يحيطون بها علما ، على أنّ ما سمّوه « أمانة » لا أصل له في شرع الإنجيل ، ولا مأخوذة من قول المسيح ، ولا من أقوال تلاميذه ، وهو مع ذلك مضطرب متناقض متهافت يكذّب بعضه بعضا ويعارضه ويناقضه ، وإذ قد علمت ذلك فاستمع لما يتلى عليك في ردّهم تتميما للفائدة وتأكيدا لإبطال تلك العقائد الفاسدة .
أمّا قولهم : بأنّ اللّه تعالى جوهر بالمعنى المذكور ، فلا نزاع لنا معهم فيه من جهة المعنى بل من جهة الإطلاق اللّفظيّ سمعا ، والأمر فيه هيّن ، وأمّا حصرهم الأقانيم في ثلاثة : صفة الوجود ، وصفة الحياة ، وصفة العلم فباطل ، لأنّه بعد تسليم أنّ صفة الوجود زائدة لو طولبوا بدليل الحصر لم يجدوا إليه سبيلا سوى قولهم : بحثنا فلم نجد غير ما ذكرناه ، وهو غير يقينيّ كما لا يخفى ، ثمّ هو باطل بما تحقّق في موضعه من وجوب صفة القدرة . والإرادة والسّمع والبصر والكلام .
فإن قالوا : الأقانيم هي خواصّ الجوهر وصفات نفسه ، ومن حكمها أن تلزم الجوهر ولا تتعدّاه إلى غيره ، وذلك متحقّق في الوجود والحياة ، إذ لا تعلّق لوجود الذّات القديمة وحياتها بغيرها ، وكذلك العلم ؛ إذ العلم مختصّ بالجوهر من حيث هو معلوم به ، وهذا بخلاف القدرة والإرادة فإنّهما لا اختصاص لهما بالذّات القديمة بل يتعلّقان بالغير ممّا هو مقدور ومراد ، والذّات القديمة غير مقدورة ولا مرادة ، وأيضا فإنّ الحياة تجزئ عن القدرة والإرادة ، من حيث أنّ الحيّ لا يخلو عنهما ، بخلاف العلم فإنّه قد يخلو عنه ، ولأنّه يمتنع أجزاء الحياة عن العلم لاختصاص الحياة بامتناع جريان المبالغة والتّفضيل بخلاف العلم .
قلنا : أمّا قولهم : إنّ الوجود والحياة مختصّة بذات القديم - ولا تعلّق لهما بغيره - فمسلّم ، ولكن يلزم عليه أن لا يكون العلم أقنوما لتعلّقه بغير ذات القديم إذ هو
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 461
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٤٦١