تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
الثّلاثة حيّ ناطق موجود ، وصرّحوا بالتّثليث كالملكانيّة ، ومنهم من منع ذلك ، ومنهم من أثبت صفات أخر كالقدرة والإرادة ونحوهما ، لكن لم يجعلوها أقانيم ، وزعموا أنّ الابن لم يزل متولّدا من الأب وإنّما تجسّده وتوحّده بجسد المسيح حين ولد ، والحدوث راجع إلى النّاسوت ، فالمسيح إله تامّ وإنسان تامّ ، وهما قديم وحادث ، والاتّحاد غير مبطل لقدم القديم ولا لحدوث الحادث ، وقالوا : إنّ الصّلب ورد على النّاسوت دون اللّاهوت . وذهب بعض اليعقوبيّة : إلى أنّ الكلمة انقلبت لحما ودما فصار الإله هو المسيح ، وقالوا : إنّ اللّه هو المسيح عيسى بن مريم ، ورووا عن يوحنّا الإنجيليّ أنّه قال في صدر إنجيله : إنّ الكلمة صارت جسدا وحلّت فينا ، وقال : في البدء كانت الكلمة والكلمة عند اللّه واللّه تعالى هو الكلمة ، ومنهم من قال : ظهر اللّاهوت بالنّاسوت بحيث صار هو هو ، وذلك كظهور الملك في الصّورة المشار إليه بقوله تعالى :
فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا
مريم : 17 . ومنهم من قال : جوهر الإله القديم وجوهر الإنسان المحدث تركّبا تركّب النّفس النّاطقة مع البدن ، وصارا جوهرا واحدا ، وهو المسيح ، وهو الإله ، ويقولون : صار الإله إنسانا وإن لم يصر الإنسان إلها ، كما يقال في الفحمة الملقاة في النّار : صارت نارا ، ولا يقال : صارت النّار فحمة ، ويقولون : إنّ اتّحاد اللّاهوت بالإنسان الجزئيّ دون الكليّ ، وأنّ مريم ولدت إلها وأنّ القتل والصّلب واقع على اللّاهوت والنّاسوت جميعا ؛ إذ لو كان على أحدهما بطل الاتّحاد ، ومنهم من قال : المسيح مع اتّحاد جوهره قديم من وجه ، محدث من وجه . ومن اليعقوبيّة من قال : إنّ الكلمة لم تأخذ من مريم شيئا وإنّما مرّت بها كمرور الماء بالميزاب ، ومنهم من زعم أنّ الكلمة كانت تداخل جسد المسيح فتصدر عنه الآيات الّتي كانت تظهر عنه ، وتفارقه تارة ، فتحلّه الآفات والآلام . ومن النّصارى من زعم أنّ معنى اتّحاد اللّاهوت بالنّاسوت ظهور اللّاهوت على النّاسوت وإن لم ينتقل من اللّاهوت إلى النّاسوت شيء ولا حلّ فيه ، وذلك كظهور نقش الطّابع على الشّمع والصّورة المرئيّة في المرآة . ومنهم من قال : إنّ الوجود والكلمة قديمان ، والحياة مخلوقة . ومنهم من قال : إنّ اللّه تعالى واحد وسمّاه أبا وأنّ المسيح كلمة اللّه تعالى وابنه على طريق الاصطفاء ، وهو مخلوق قبل العالم ، وهو خالق للأشياء كلّها . وحكى المؤرّخون وأصحاب النّقل أنّ أريوس أحد كبار النّصارى كان يعتقد هو وطائفته توحيد الباري ولا يشرك معه غيره ، ولا يرى في المسيح ما يراه النّصارى بل يعتقد رسالته ، وأنّه مخلوق بجسمه وروحه ، ففشت مقالته في النّصرانيّة فتكاتبوا واجتمعوا بمدينة نيقية عند الملك قسطنطين وتناظروا ، فشرح أريوس مقالته ، فردّ عليه الأكصيدروس بطريق الإسكندريّة ، وشنّع على مقالته عند الملك ، ثمّ تناظروا ، فطال تنازعهم ، فتعجّب الملك من انتشار مقالتهم وكثرة