المسألة الأولى : المعنى : ولا تقولوا : إنّ اللّه سبحانه واحد بالجوهر ثلاثة بالأقانيم .
واعلم أنّ مذهب النّصارى مجهول جدّا ، والّذي يتحصّل منه أنّهم أثبتوا ذاتا موصوفة بصفات ثلاثة ، إلّا أنّهم وإن سمّوها صفات فهي في الحقيقة ذوات ، بدليل أنّهم يجوّزون عليها الحلول في عيسى وفي مريم بأنفسها ، وإلّا لما جوّزوا عليها أن تحلّ في الغير ، وأن تفارق ذلك الغير مرّة أخرى ، فهم وإن كانوا يسمّونها بالصّفات ، إلّا أنّهم في الحقيقة يثبتون ذوات متعدّدة قائمة بأنفسها ، وذلك محض الكفر ، فلهذا المعنى قال تعالى :
وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا .
فأمّا إن حملنا الثّلاثة على أنّهم يثبتون صفات ثلاثة ، فهذا لا يمكن إنكاره ، وكيف لا نقول ذلك وإنّا نقول : هو اللّه الّذي لا إله إلّا هو الملك القدّوس السّلام العالم الحيّ القادر المريد ، ونفهم من كلّ واحد من هذه الألفاظ غير ما نفهمه من اللّفظ الآخر ، ولا معنى لتعدّد الصّفات إلّا ذلك ، فلو كان القول بتعدّد الصّفات كفرا لزم ردّ جميع القرآن ولزم ردّ العقل ، من حيث إنّا نعلم بالضّرورة أنّ المفهوم من كونه تعالى عالما غير المفهوم من كونه تعالى قادرا أو حيّا .
المسألة الثّانية : قوله : ( ثلاثة ) خبر مبتدإ محذوف ، ثمّ اختلفوا في تعيين ذلك المبتدأ على وجوه :
الأوّل : ما ذكرناه ، أي ولا تقولوا : الأقانيم ثلاثة .
الثّاني : قال الزّجّاج : ولا تقولوا : آلهتنا ثلاثة ، وذلك لأنّ القرآن يدلّ على أنّ النّصارى يقولون : إنّ اللّه والمسيح ومريم ثلاثة آلهة ، والدّليل عليه قوله تعالى :
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
المائدة : 116 .
الثّالث : قال الفرّاء : ولا تقولوا : هم ثلاثة ، كقوله :
سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ
وذلك لأنّ ذكر عيسى ومريم مع اللّه تعالى بهذه العبارة يوهم كونهما إلهين ، وبالجملة فلا نرى مذهبا في الدّنيا أشدّ ركاكة وبعدا عن العقل من مذهب النّصارى . ( 11 : 116 )
القرطبيّ : والنّصارى مع فرقهم مجمعون على التّثليث ، ويقولون : إنّ اللّه جوهر واحد وله ثلاثة أقانيم ، فيجعلون كلّ أقنوم إلها ، ويعنون بالأقانيم : الوجود والحياة والعلم ، وربّما يعبّرون عن الأقانيم بالأب والابن وروح القدس ؛ فيعنون بالأب الوجود ، وبالرّوح الحياة ، وبالابن المسيح ، في كلام لهم فيه تخبّط ، بيانه في أصول الدّين .
ومحصول كلامهم يؤول إلى التّمسّك بأنّ عيسى إله بما كان يجريه اللّه سبحانه وتعالى على يديه من خوارق العادات ، على حسب دواعيه وإرادته . وقالوا : قد علمنا خروج هذه الأمور عن مقدور البشر ، فينبغي أن يكون المقتدر عليها موصوفا بالإلهيّة ؛ فيقال لهم : لو كان ذلك من مقدوراته وكان مستقلّا به كان تخليص نفسه من أعدائه ودفع شرّهم عنه من مقدوراته وليس كذلك ؛ فإن اعترفت النّصارى بذلك ، فقد سقط قولهم ودعواهم أنّه كان يفعلها مستقلّا به ، وإن لم يسلّموا ذلك فلا حجّة لهم أيضا ، لأنّهم معارضون بموسى عليه السّلام ، وما كان يجري على يديه من الأمور العظام ، مثل قلب العصا ثعبانا ، وفلق البحر ، واليد البيضاء ، والمنّ والسّلوى وغير ذلك ،