مدّة الحمل والرّضاع هذه المدّة ، لأنّ في القول حذف مضاف ، تقديره : ومدّة حمله وفصاله ، وهذا لا يكون إلّا بأن يكون أحد الطّرفين ناقصا ؛ وذلك إمّا بأن تلد المرأة لستّة أشهر وترضع عامين ، وإمّا بأن تلد لتسعة على العرف وترضع عامين غير ربع العام ، فإن زادت مدّة الحمل نقصت مدّة الرّضاع ، وبالعكس ؛ فيترتّب من هذا أنّ أقلّ مدّة الحمل ستّة أشهر ، وأقلّ ما يرضع الطّفل عام وتسعة أشهر ، وإكمال العامين هو لمن أراد أن يتمّ الرّضاعة ، وهذا في أمر الحمل هو مذهب عليّ بن أبي طالب رضى اللّه عنه ، وجماعة من الصّحابة ، ومذهب مالك رحمه اللّه . ( 5 : 97 )
الفخر الرّازيّ : [ شرح دلالة الآيتين على أنّ أقلّ مدّة الحمل ستّة أشهر ثمّ قال : ]
روي عن عمر أنّ امرأة رفعت إليه ، وكانت قد ولدت لستّة أشهر ، فأمر برجمها ، فقال عليّ : لا رجم عليها ، وذكر الطّريق الّذي ذكرناه ، وعن عثمان أنّه همّ بذلك ، فقرأ ابن عبّاس عليه ذلك .
واعلم أنّ العقل والتّجربة يدلّان أيضا على أنّ الأمر كذلك ، قال أصحاب التّجارب : إنّ لتكوين الجنين زمانا مقدّرا ، فإذا تضاعف ذلك الزّمان تحرّك الجنين ، فإذا انضاف إلى ذلك المجموع مثلاه انفصل الجنين عن الأمّ ، فلنفرض أنّه يتمّ خلقه في ثلاثين يوما ، فإذا تضاعف ذلك الزّمان حتّى صار ستّين تحرّك الجنين ، فإذا تضاعف إلى هذا المجموع مثلاه وهو مئة وعشرون حتّى صار المجموع مئة وثمانين وهو ستة أشهر ، فحينئذ ينفصل الجنين .
فلنفرض أنّه يتمّ خلقه في خمسة وثلاثين يوما ، فيتحرّك في سبعين يوما ، فإذا انضاف إليه مثلاه وهو مئة وأربعون يوما صار المجموع مئتين وعشرة أيّام ، وهو سبعة أشهر انفصل الولد ، ولنفرض أنّه يتمّ خلقه في أربعين يوما ، فيتحرّك في ثمانين يوما ، فينفصل عند مئتين وأربعين يوما ، وهو ثمانية أشهر ، ولنفرض أنّه تمّت الخلقة في خمسة وأربعين يوما ، فيتحرّك في تسعين يوما ، فينفصل عند مئتين وسبعين يوما ، وهو تسعة أشهر ، فهذا هو الضّبط الّذي ذكره أصحاب التّجارب .
قال جالينوس : إنّي كنت شديد التّفحّص عن مقادير أزمنة الحمل ، فرأيت امرأة ولدت في المئة والأربع والثّمانين ليلة ، وزعم أبو عليّ بن سينا أنّه شاهد ذلك ، فقد صار أقلّ مدّة الحمل بحسب نصّ القرآن ، وبحسب التّجارب الطّبّيّة شيئا واحدا ، وهو ستّة أشهر . وأمّا أكثر مدّة الحمل ، فليس في القرآن ما يدلّ عليه . قال أبو عليّ بن سينا ، في الفصل السّادس من المقالة التّاسعة من عنوان « الشّفاء » : بلغني من حيث وثقت به كلّ الثّقة ، أنّ امرأة وضعت بعد الرّابع من سني الحمل ولدا قد نبتت أسنانه وعاش .
وحكي عن أرسطاطاليس أنّه قال : أزمنة الولادة ، وحبل الحيوان مضبوطة سوى الإنسان ، فربّما وضعت الحبلى لسبعة أشهر ، وربّما وضعت في الثّامن ، وقلّما يعيش المولود في الثّامن إلّا في بلاد معيّنة مثل مصر ، والغالب هو الولادة بعد التّاسع .
قال أهل التّجارب : والّذي قلناه : من أنّه إذا تضاعف زمان التّكوين تحرّك الجنين ، وإذا انضمّ إلى
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 451
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٤٥١