وقيل : ملتم إلى الإقامة بأرضكم ودياركم ، وقرئ ( أثّاقلتم ) على الاستفهام الّذي معناه الإنكار والتّوبيخ .
فإن قلت : فما العامل في ( إذا ) وحرف الاستفهام مانعة أن يعمل فيه ؟
قلت : ما دلّ عليه قوله : ( اثّاقلتم ) أو ( ما ) في ( مالكم ) من معنى الفعل ، كأنّه قيل : ما تصنعون إذا قيل لكم ، كما تعمله في الحال إذا قلت : ما لك قائما . ( 2 : 189 )
مثله النّسفيّ ( 2 : 126 ) ، ونحوه البيضاويّ ( 1 : 415 ) .
ابن عطيّة : قرأ الأعمش فيما حكى المهدويّ وغيره ( تثاقلتم ) على الأصل ، وذكرها أبو حاتم ( تتثاقلتم ) بتاءين ، ثمّ ثاء مثلّثة ، وقال : هي خطأ أو غلط ، وصوّب ( تثاقلتم ) بتاء واحدة وثاء مثلّثة أن لو قرئ بها .
وقوله :
اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ
عبارة عن تخلّفهم ونكولهم وتركهم الغزو ، لسكنى ديارهم والتزام نخلهم وظلالهم ، وهو نحو من أخلد إلى الأرض . ( 3 : 34 )
الطّبرسيّ : أي تثاقلتم وملتم إلى الإقامة في الأرض الّتي أنتم عليها . [ ثمّ حكى قول الجبّائيّ ]
( 3 : 30 )
الفخر الرّازيّ : المرويّ عن ابن عبّاس أنّ هذه الآية نزلت في غزوة تبوك ؛ وذلك لأنّه عليه السّلام لمّا رجع من الطّائف أقام بالمدينة وأمر بجهاد الرّوم ، وكان ذلك الوقت زمان شدّة الحرّ ، وطابت ثمار المدينة وأينعت ، واستعظموا غزو الرّوم وهابوه ، فنزلت هذه الآية .
قال المحقّقون : وإنّما استثقل النّاس ذلك لوجوه :
أحدها : شدّة الزّمان في الصّيف والقحط .
وثانيها : بعد المسافة والحاجة إلى الاستعداد الكثير الزّائد على ما جرت به العادة في سائر الغزوات .
وثالثها : إدراك الثّمار بالمدينة في ذلك الوقت .
ورابعها : شدّة الحرّ في ذلك الوقت .
وخامسها : مهابة عسكر الرّوم . فهذه الجهات الكثيرة اجتمعت فاقتضت تثاقل النّاس عن ذلك الغزو ، واللّه أعلم . ( 16 : 59 )
نحوه الخازن ( 3 : 76 ) ، والنّيسابوريّ ( 10 : 88 ) ، والقاسميّ ( 8 : 3154 ) ، وطه الدّرّة ( 5 : 360 ) .
القرطبيّ : قال المفسّرون : معناه اثّاقلتم إلى نعيم الأرض ، أو إلى الإقامة بالأرض . وهو توبيخ على ترك الجهاد وعتاب على التّقاعد عن المبادرة إلى الخروج ، وهو نحو من أخلد إلى الأرض . ( 8 : 140 )
أبو حيّان : لمّا أمر اللّه رسوله بغزوة تبوك ، وكان زمان جدب وحرّ شديد ، وقد طابت الثّمار ؛ عظم ذلك على النّاس وأحبّوا المقام ، نزلت عتابا على من تخلّف عن هذه الغزوة . [ إلى أن قال : ]
وقرأ الأعمش ( تثاقلتم ) وهو أصل قراءة الجمهور ( اثّاقلتم ) ، وهو ماض بمعنى المضارع ، وهو في موضع الحال ، وهو عامل في ( إذا ) أي مالكم تتثاقلون إذا قيل لكم : انفروا .
وقال أبو البقاء : الماضي هنا بمعنى المضارع ، أي مالكم تتثاقلون ، وموضعه نصب ، أي أيّ شيء لكم في التّثاقل ، أو في موضع جرّ على مذهب الخليل ، انتهى .
وهذا ليس بجيّد ، لأنّه يلزم منه حذف « أن » ، لأنّه لا ينسبك مصدر إلّا من حرف مصدريّ والفعل ، وحذف