النّفل مرادان بهذه الآية في النّهي عن فعلهما ناقصين ، ولم يدلّ ذلك على وجوبهما في الأصل .
وأيضا فإنّ الأظهر من لفظ « الإتمام » إنّما يطلق بعد الدّخول فيه ، قال اللّه عزّ وجلّ :
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ
البقرة : 187 ، فأطلق عليه لفظ « الإتمام » بعد الدّخول . قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما أدركتم فصلّوا وما فاتكم فأتمّوا » فأطلق لفظ « الإمام » عليها بعد الدّخول فيها .
ويدلّ على أنّ المراد إيجاب إتمامهما بعد الدّخول فيهما أنّ الحجّ والعمرة النّافلتين يلزمه إتمامهما بعد الدّخول فيهما بالآية ، فكان بمنزلة قوله : أتمّوهما بعد الدّخول فيهما . فغير جائز إذا ثبت أنّ المراد لزوم الإتمام بعد الدّخول حمله على الابتداء لتضادّ المعنيين .
ألا ترى أنّه إذا أراد به الإلزام بالدّخول انتفى أن يريد به الإلزام قبل الدّخول ، لأنّ إلزامه قبل الدّخول ناف لكونه واجبا بالدّخول ، ألا ترى أنّه لا يجوز أن يقال : إنّ حجّة الإسلام إنّما تلزم بالدّخول وإنّ صلاة الظّهر متعلّق لزومها بالدّخول فيها . وهذا يدلّ على أنّه غير جائز إرادة إيجابهما بالدّخول وإيجابهما ابتداء قبل الدّخول فيهما .
فثبت بما وصفنا أنّه لا دلالة في هذه الآية على وجوب العمرة قبل الدّخول فيها ، وممّا يدلّ على أنّها ليست بواجبة ما روي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال : العمرة هي الحجّ الأصغر ، وروي عن عبد اللّه بن شدّاد ومجاهد قالا :
العمرة هي الحجّ الأصغر . . . [ ثمّ ذكر روايات على عدم وجوب العمرة فلاحظ ] ( 1 : 264 )
الغزاليّ : الأمور المعتبرة قبل الخروج إلى الإحرام ثمانية : « 1 »
الأوّل : في المال ، فينبغي أن يبدأ بالتّوبة ، وردّ المظالم ، وقضاء الدّيون ، وإعداد النّفقة لكلّ من تلزمه نفقته إلى وقت الرّجوع ، ويردّ ما عنده من الودائع ، ويستصحب من المال الطّيّب الحلال ما يكفيه لذهابه وإيابه من غير تقتير . بل على وجه يمكنه مع التّوسّع في الزّاد والرّفق بالفقراء ، ويتصدّق بشيء قبل خروجه ، ويشتري لنفسه دابّة قويّة على الحمل أو يكتريها . فإن اكتراها فليظهر للمكاري كلّ ما يحصل رضاه فيه .
الثّاني : في الرّفيق ، فينبغي أن يلتمس رفيقا صالحا محبّا للخير ، معينا عليه ، إن نسي ذكّره ، وإن ذكر ساعده ، وإن جبن شجّعه ، وإن عجز قوّاه ، وإن ضاق صدره صبّره . وأمّا الإخوان والرّفقاء المقيمون فيودّعهم ، ويلتمس أدعيتهم ، فإنّ اللّه تعالى جعل في دعائهم خيرا .
والسّنّة في الوداع أن يقول : أستودع اللّه دينك وأمانتك وخواتيم عملك .
الثّالثة : في الخروج من الدّار ، فإذا همّ بالخروج صلّى ركعتين ، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
الكافرون : 1 ، وفي الثّانية « الإخلاص » وبعد الفراغ يتضرّع إلى اللّه بالإخلاص .
الرّابعة : إذا حصل على باب الدّار قال : بسم اللّه توكّلت على اللّه لا حول ولا قوّة إلّا باللّه ، وكلّما كانت الدّعوات أزيد كانت أولى .
هامش
( 1 ) الظّاهر هي عشرة كما في النّصّ .