مقدّمة لتطهيره ، وإتمام النّعمة بالاستيلاء عليه ، والسّير فيه على ملّة إبراهيم من التّوحيد والعبادة الصّحيحة للّه تعالى وحده .
أقول : ويؤيّد ما قرّره الأستاذ الإمام في تفسير « الإتمام » وكون تحويل القبلة مقدّمة له ، قوله تعالى بعد ذكر الفتح في سورة الفتح :
وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً
الفتح : 2 فكان في الآية بشارة فتح مكّة ونصر اللّه التّوحيد على الشّرك ، وما يتلو ذلك من نشر الإسلام ، وانتشار نوره في الأنام ، ولذلك قال في سورة الفتح بعد ما ذكر :
وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً
الفتح : 3 . ( 2 : 25 )
نحوه المراغيّ . ( 2 : 18 )
محمّد جواد مغنيّه : أي أنعمت عليكم بالإسلام ، وأتممت النّعمة بإعطائي إيّاكم قبلة مستقلّة توحّد كلمتكم ، وتجمع شملكم ، وتتّجه إليها شعوب العالم من أقطار الأرض ، على اختلاف ألوانها وألسنتها . ( 1 : 237 )
الطّباطبائيّ : ذكر بعض المفسّرين أنّ اشتمال هذه الآية - وهي آية تحويل القبلة - على قوله :
وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
مع اشتمال قوله تعالى في سورة الفتح في ذكر فتح مكّة على هاتين الجملتين ؛ إذ قال تعالى :
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً
الفتح : 1 ، 2 ، يدلّ على كونها مشتملة على البشارة بفتح مكّة .
بيان ذلك : أنّ الكعبة كانت مشغولة في صدر الإسلام بأصنام المشركين وأوثانهم ، وكان السّلطان معهم ، والإسلام لم يقو بعد بحيث يظهر قهره وقدرته ، فهدى اللّه رسوله إلى استقبال بيت المقدس ، لكونه قبلة لليهود ، الّذين هم أقرب في دينهم من المشركين إلى الإسلام .
ثمّ لمّا ظهر أمر الإسلام بهجرة رسول اللّه إلى المدينة ، وقرب زمان الفتح ، وتوقّع تطهير البيت من أرجاس الأصنام ، جاء الأمر بتحويل القبلة وهي النّعمة العظيمة الّتي اختصّ به المسلمون ، ووعد في آية التّحويل إتمام النّعمة والهداية وهو خلوص الكعبة من أدناس الأوثان ، وتعيّنها لأن تكون قبلة يعبد اللّه إليها ، ويكون المسلمون هم المختصّون بها ، وهي المختصّة بهم ، فهي بشارة بفتح مكّة ، ثمّ لمّا ذكر فتح مكّة حين فتحت أشار إلى ما وعدهم به من إتمام النّعمة والبشارة بقوله :
وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً .
وهذا الكلام وإن كان بظاهره وجيها ، لكنّه خال عن التّدبّر ، فإنّ ظاهر الآيات لا يساعد عليه ؛ إذ الدّالّ على وعد إتمام النّعمة في هذه الآية :
وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
البقرة : 150 ، إنّما هو لام الغاية ، وآية سورة الفتح الّتي أخذها إنجازا لهذا الوعد ومصداقا لهذه البشارة ، أعني قوله تعالى :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ . . .
مشتملة على هذه اللّام بعينها ، فالآيتان جميعا مشتملتان على الوعد الجميل بإتمام النّعمة ؛ على أنّ آية الحجّ مشتملة على وعد إتمام النّعمة لجميع المسلمين ، وآية الفتح على ذلك لرسول اللّه خاصّة ، فالسّياق في الآيتين مختلف .
ولو كان هناك آية تحكي عن إنجاز الوعد الّذي تشتمل عليه الآيتان ، لكان هو قوله تعالى :
الْيَوْمَ