تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
الجبل يتلقّاه . وإنّ تلقّي هذا الفيض من النّور والمعرفة واستيعابه ، لثقيل يحتاج إلى استعداد طويل . وإنّ التّعامل مع الحقائق الكونيّة الكبرى المجرّدة ، لثقيل يحتاج إلى استعداد طويل . وإنّ الاتّصال بالملإ الأعلى وبروح الوجود ، وأرواح الخلائق الحيّة والجامدة على النّحو الّذي تهيّأ لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لثقيل يحتاج إلى استعداد طويل . وإنّ الاستقامة على هذا الأمر بلا تردّد ولا ارتياب ولا تلفّت هنا أو هناك ، وراء الهواتف والجواذب والمعوّقات ، لثقيل يحتاج إلى استعداد طويل . وإنّ قيام اللّيل والنّاس نيام ، والانقطاع عن غبش الحياة اليوميّة وسفسافها ، والاتّصال باللّه ، وتلقّي فيضه ونوره ، والأنس بالوحدة معه والخلوة إليه ، وترتيل القرآن والكون ساكن ، وكأنّما هو يتنزّل من الملإ الأعلى ، وتتجاوب به أرجاء الوجود في لحظة التّرتيل بلا لفظ بشريّ ولا عبارة ، واستقبال إشعاعاته وإيحاءاته وإيقاعاته في اللّيل السّاجي ، إنّ هذا كلّه هو الزّاد لاحتمال القول الثّقيل ، والعبء الباهظ ، والجهد المرير الّذي ينتظر الرّسول ، وينتظر من يدعو بهذه الدّعوة في كلّ جيل ، وينير القلب في الطّريق الشّاقّ الطّويل ، ويعصمه من وسوسة الشّيطان ، ومن التّيه في الظّلمات الحافّة بهذا الطّريق المنير . ( 6 : 3745 ) الطّباطبائيّ : الثّقل : كيفيّة جسمانيّة من خاصّته أنّه تشقّ حمل الجسم الثّقيل ونقله من مكان إلى مكان ، وربّما يستعار للمعاني إذا شقّ على النّفس تحمّلها أو لم تطقها . فربّما أضيف إلى القول من جهة معناه فعدّ ( ثقيلا ) لتضمّنه معنى يشقّ على النّفس إدراكه ، أو لا تطيق فهمه ، أو تتحرّج من تلقّيه ، كدقائق الأنظار العلميّة إذا ألقيت على الأفهام العامّة ، أو لتضمّنه حقائق يصعب التّحقّق بها ، أو تكاليف يشقّ الإتيان بها والمداومة عليها . والقرآن قول إلهيّ ثقيل بكلا المعنيين : أمّا من حيث تلقّي معناه ، فإنّه كلام إلهيّ مأخوذ من ساحة العظمة والكبرياء ، لا تتلقّاه إلّا نفس طاهرة من كلّ دنس ، منقطع عن كلّ سبب إلّا اللّه سبحانه ، وكتاب عزيز له ظهر وبطن وتنزيل وتأويل تبيانا لكلّ شيء ، وقد كان ثقله مشهودا من حال النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بما كان يأخذه من البرحاء وشبه الإغماء ، على ما وردت به الأخبار المستفيضة . وأمّا من حيث التّحقّق بحقيقة التّوحيد وما يتبعها من الحقائق الاعتقاديّة ، فكفى في الإشارة إلى ثقله قوله تعالى :
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
الحشر : 21 ، وقوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى
الرّعد : 31 . وأمّا من حيث القيام بما يشتمل عليه من أمر الدّعوة ، وإقامة مراسم الدّين الحنيف ، وإظهاره على الدّين كلّه ، فيشهد به ما لقي صلّى اللّه عليه وآله من المصائب والمحن في سبيل اللّه ، والأذى في جنب اللّه ، على ما يشهد به الآيات القرآنيّة ، الحاكية لما لقيه النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله من المشركين