والكفّار والمنافقين ، والّذين في قلوبهم مرض من أنواع الإيذاء والهزء والجفاء ، فقوله :
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
المراد بالقول الثّقيل : القرآن العظيم على ما يسبق إلى الذّهن من سياق هذه الآيات النّازلة في أوّل البعثة ، وبه فسّره المفسّرون .
والآية في مقام التّعليل للحكم المدلول عليه ، بقوله :
قُمِ اللَّيْلَ
إلخ ، فتفيد بمقتضى السّياق - والخطاب خاصّ بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله - أنّ أمره بقيام اللّيل والتّوجّه فيه إليه تعالى بصلاة اللّيل ، تهيئة له وإعداد لكرامة القرب وشرف الحضور وإلقاء قول ثقيل ، فقيام اللّيل هي السّبيل المؤدّية إلى هذا الموقف الكريم ، وقد عدّ سبحانه صلاة اللّيل سبيلا إليه ، في قوله الآتي :
إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا
المزّمّل : 19 .
وقد زاد سبحانه وعدا على ما في هذه الآية ، في قوله :
وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
الإسراء : 79 .
وإذ كان ثقل القرآن ثقله من حيث التحقّق بحقائقه ، ومن حيث استجابته فيما يندب إليه من الشّرائع والأحكام ، فهو ثقيل على الأمّة ، كما هو ثقيل عليه صلّى اللّه عليه وآله . ومعنى الآية إنّا سنوحي إليك قولا يثقل عليك وعلى أمّتك .
أمّا ثقله عليه صلّى اللّه عليه وآله فلما في التّحقّق بحقائقه من الصّعوبة ، ولما فيه من محنة الرّسالة وما يتبعها من الأذى في جنب اللّه ، وترك الرّاحة والدّعة ، ومجاهدة النّفس ، والانقطاع إلى اللّه ، مضافا إلى ما في تلقّيه من مصدر الوحي من الجهد .
وأمّا ثقله على أمّته فلأنّهم يشاركونه صلّى اللّه عليه وآله في لزوم التّحقّق بحقائقه ، واتّباع أوامره ونواهيه ورعاية حدوده ، كلّ طائفة منهم على قدر طاقته .
وللقوم في معنى ثقل القرآن أقوال أخر :
منها : أنّه ثقيل ، بمعنى أنّه عظيم الشّأن متين رصين ، كما يقال : هذا كلام له وزن ، إذا كان واقعا موقعه .
ومنها : أنّه ثقيل في الميزان يوم القيامة حقيقة أو مجازا ، بمعنى كثرة الثّواب عليه .
ومنها : أنّه ثقيل على الكفّار والمنافقين بما له من الإعجاز وبما فيه من الوعيد .
ومنها : أنّ ثقله كناية عن بقائه على وجه الدّهر ، لأنّ الثّقيل من شأنه أن يبقى ويثبت في مكانه .
ومنها : غير ذلك . والوجوه المذكورة وإن كانت لا بأس بها في نفسها ، لكن ما تقدّم من الوجه هو الظّاهر السّابق إلى الذّهن . ( 20 : 61 )
محمّد جواد مغنيّه : القرآن ثقيل بكلّ ما في هذه الكلمة من معنى ، هو ثقيل في إعجازه وخلوده ، وفي عقيدته وشريعته ، وفي حربه ونضاله ضدّ الأقوياء المفسدين والطّغاة المترفين . وقال كثير من المفسّرين :
« القرآن ثقيل ، لأنّ تكاليفه شاقّة مثل المحافظة على الصّلوات الخمس ، والقيام آخر اللّيل لصلاة الفجر ، والوضوء بالماء البارد مرارا ، والاغتسال به أحيانا ، وكالصّوم في أيّام الحرّ ، والقيام للسّحور من آخر اللّيل ، وكالحجّ ومشتقّاته من الإحرام والسّعي والطّواف » .
وليس من شكّ أنّ هذه كبيرة إلّا على الخاشعين ، ولكن أكبر منها وأثقل التّكليف بالجهاد وهو على أنواع ،