وأثقل أنواعه الجهاد لتغيير القلوب والمشاعر ، والقضاء على العقائد الفاسدة والتّقاليد الموروثة ، واستئصال الفساد من جذوره ، وهذا ما كلّف به أبو القاسم محمّد بن عبد اللّه . [ صلّى اللّه عليه وآله ]
فلقد بعثه اللّه سبحانه ليتمّم مكارم الأخلاق للبشريّة كلّها ، ويخرج النّاس من الظّلمات إلى النّور ، وأيّ تكليف أثقل وأشقّ من هذا التّكليف ؟ ومن الّذي يستطيع أن يغيّر من أخلاق زوجته وولده بخاصّة في عصر الجاهليّة أفسد العصور وأكثرها فسادا وطغيانا ؟
ولكنّ محمّدا تغلّب على جميع الصّعاب ، وقام بالأمر على أكمل وجه .
أمّا السّرّ في ذلك فيكمن في شخصيّة محمّد وقوّتها وعظمتها ، وفي صبره العجيب على تحمّل الأذى في سبيل دعوته ، فكان يزداد صبرا وحلما كلّما ازداد الطّغاة في أذاه ، ولا يزيد على قوله : « اللّهمّ اغفر لقومي أنّهم لا يعلمون . . إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي » .
وبهذا نجد التّفسير الصّحيح لقوله تعالى :
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
الأنعام : 124 ، أجل ، اللّه يعلم أنّ شخصيّة محمّد أقوى من العقائد والتّقاليد ومن النّاس مجتمعين ، ولولا علمه بذلك لما بعث محمّدا ليتمّم للبشريّة مكارم الأخلاق
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها
الطّلاق : 7 .
وقد أدرك الأديب العالميّ الشّهير « برنار دشو » هذه الحقيقة ؛ حيث قال : لو كان محمّد بن عبد اللّه في القرن العشرين لقضى على ما فيه من فساد وضلال . ( 7 : 446 )
نحوه عبد الكريم الخطيب . ( 15 : 1251 )
فضل اللّه : وهو القرآن الّذي يحمل في داخله كلّ مفاهيم الرّسالة وخطوطها الفكريّة والعمليّة في الحياة ، ممّا يدفع الإنسان إلى الالتزام في دائرة المسؤوليّة الّتي تثقل عليه من خلال تحويل الحياة في وجدانه الحركيّ ، من ساحة للاسترخاء واللّامبالاة ، والسّكون والحرّيّة الغارقة في بحار الشّهوات ، والمتخبّطة في وحول الجريمة ، إلى ساحة للدّعوة إلى تصحيح الفكر واستقامة القصد ، ووضوح الهدف وطهارة الوسائل ، وتنظيم الحياة ، وتوجيه الإنسان نحو القضايا الكبيرة الّتي تلتقي برضى اللّه ، في مواقع رحمته وحكمته في الدّنيا والآخرة .
على ضوء ذلك ، فإنّ القول الثّقيل لا يتمثّل في الثّقل المادّيّ ، كما توحي بعض الرّوايات الّتي تعبّر عن الضّغط والتّأثيرات الشّديدة الّتي كان يتعرّض لها النّبيّ في جسده ، عند نزول الوحي عليه ، بل يتمثّل في ثقل المسؤوليّة الّتي تضغط على كلّ الواقع الإنسانيّ ، لتدفعه إلى الالتزام الفكريّ والعمليّ ، الّذي يقف عند حدود اللّه فلا يتجاوزها ، ويتحمّل ثقل الأعباء الملقاة على عاتق الإنسان المسلم ، الّذي يواجه التّحدّيات من موقع الإيمان الرّساليّ ، الّذي يثبت في كلّ حالات الاهتزاز الرّوحيّ ، الهادف إلى إسقاط الواقع من حوله .
وهذا ما يحتاج إلى التّربية الطّويلة ، والمعاناة الشّديدة ، والقوّة الرّوحيّة الّتي ترتفع بالإنسان إلى الآفاق الواسعة ، فلا تضيق به مشكلة ، ولا تضعفه مصيبة ، ولا تخنقه عقدة ، ولا يثيره انفعال ، ليكون إنسان الفكر الهادئ والعاطفة المتّزنة ، والحركة العاقلة ، والواقع المتوازن ، والكلمة الحلوة الهادئة ، لأنّ الرّسالة لا تنمو في