فكان قوله :
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
يشير إلى مدّة الوحي الباقية ، لأنّ حروفه - مع اعتبار النّون المدغم فيها ، ونوني التّنوين - اثنان وعشرون ، فالسّين دلّ على الاستقبال ، ومجموع الحروف على المدّة الباقية . وجعل القرآن حملا ثقيلا ، لأنّه عليه السّلام بعث لتتميم مكارم الأخلاق ، ولا شكّ أنّ ما كان أجمع كان أثقل ، واللّه تعالى أعلم بمراده .
وأيضا إنّ كون القول ( ثقيلا ) إنّما هو بالنّسبة إلى النّفس الثّقيلة الكثيفة ، لتراكم حجبها وبعدها عن درك الحقّ . وأمّا بالنّسبة إلى النّفس الخفيفة اللّطيفة فخفيف ولطيف ، ولذا كان تعب التّكاليف مرفوعا عن الكمّل ، فهم يجدون العبادات كالعادات في ارتفاع الكلفة ، وفي الذّوق والحلاوة . ( 10 : 208 )
الآلوسيّ : وهو القرآن العظيم ، فإنّه لما فيه من التّكاليف الشّاقّة ثقيل على المكلّفين ، سيّما على الرّسول صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم ، فإنّه عليه الصّلاة والسّلام مأمور بتحمّلها وتحميلها للأمّة .
وهذه الجملة المؤكّدة معترضة بين الأمر بالقيام وتعليله الآتي ، لتسهيل ما كلّفه عليه الصّلاة والسّلام من القيام ، كأنّه قيل : إنّه سرد عليك في الوحي المنزل تكاليف شاقّة ، هذا بالنّسبة إليها سهل ، فلاتبال بهذه المشقّة ، وتمرّن بها لما بعدها .
وأدخل بعضهم في الاعتراض جملة ( ورتّل ) إلخ ، وتعقّب بأنّه لا وجه له . [ إلى أن قال : ]
وقيل : ثقله باعتبار ثقل حروفه حقيقة في اللّوح المحفوظ .
فعن بعضهم أنّ كلّ حرف من القرآن في اللّوح أعظم من جبل قاف ، وأنّ الملائكة لو اجتمعت على الحرف أن يقلّوه ما أطاقوه ، حتّى يأتي إسرافيل عليه السّلام وهو ملك اللّوح فيرفعه ويقلّه بإذن اللّه تعالى لا بقوّته ، ولكنّ اللّه عزّ وجلّ طوّقه ذلك ، وهذا ممّا يحتاج إلى نقل صحيح ، عن الصّادق عليه الصّلاة والسّلام ولا أظنّ وجوده .
والجملة قيل على معظم هذه الأوجه : مستأنفة للتّعليل ، فإنّ التّهجّد يعدّ النّفس لأن تعالج ثقله ، فتأمّل .
واستدلّ بالآية على أنّه لا ينبغي أن يقال : سورة خفيفة ، لما أنّ اللّه تعالى سمّى فيها القرآن كلّه
قَوْلًا ثَقِيلًا
وهذا من باب الاحتياط ، كما لا يخفى .
( 29 : 104 )
نحوه المراغيّ . ( 29 : 112 )
القاسميّ : أي رصينا ، لرزانة لفظه ، ومتانة معناه ، ورجحانه فيهما على ما عداه . ولمّا كان الرّاجح من شأنه ذلك ، تجوّز بالثّقيل عنه . أو ( ثقيلا ) على المتأمّل فيه ، لا فتقاره إلى مزيد تصفية للسّرّ ، وتجريد للنّظر ، أو ( ثقيلا ) تلقّيه ، لقول عائشة رضي اللّه عنها : [ وذكر الحديث ]
وعلى كلّ فالجملة معلّلة للأمر بالتّرتيل ، وأنّ ثقله ممّا يستدعيه . ( 16 : 5959 )
سيّد قطب : هو هذا القرآن ، وما وراءه من التّكليف .
والقرآن في مبناه ليس ثقيلا فهو ميسّر للذّكر ، ولكنّه ثقيل في ميزان الحقّ ، ثقيل في أثره في القلب
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
الحشر : 21 ، فأنزله اللّه على قلب أثبت من