شطره لئلّا يكون للنّاس عليكم حجّة ولأتمّ إلخ . فهو علّة لمذكور ، أي أمرتكم بذلك لأجمع لكم خير الدّارين ؛ أمّا دنيا فلظهور سلطانكم على المخالفين ، وأمّا عقبى فلإثابتكم الثّواب الأوفى .
ولا يرد الفصل بالاستثناء وما بعده لأنّه كلا فصل ؛ إذ هو من متعلّق العلّة الأولى ، نعم اعترض ببعد المناسبة ، وبأنّ إرادة الاهتداء المشعر بها التّرجّي إنّما تصلح علّة للأمر بالتّولية لا لفعل المأمور به ، كما هو الظّاهر في المعطوف عليه .
فالظّاهر معنى جعله علّة لمحذوف ، أي وأمرتكم بالتّولية - والخشية - لإتمام نعمتي عليكم وإرادتي اهتداءكم . والجملة المعلّلة معطوفة على الجملة المعلّلة السّابقة ، أو عطف على علّة مقدّرة مثل
( وَاخْشَوْنِي )
لأحفظكم ولأتمّ إلخ .
ورجّح بعضهم هذا الوجه بما أخرجه البخاريّ في الأدب المفرد ، والتّرمذيّ من حديث معاذ بن جبل « تمام النّعمة دخول الجنّة » . ولا يخفى أنّه على الوجه الأوّل قد يؤول الكلام إلى معنى : فاعبدوا ، وصلّوا متّجهين شطر المسجد الحرام ، لأدخلكم الجنّة . والحديث لا يأبى هذا بل يطابقه حذو القذّة بالقذّة ، فكونه مرجّحا لذلك بمعزل عن التّحقيق . ( 2 : 18 )
رشيد رضا : باستقلال قبلتكم في بيت ربّكم الّذي بناه جدّكم ، وجعل الأمم فيها تبعا لكم .
وبيانه أنّ هذا النّبيّ عربيّ من ولد إبراهيم ، وبلسان العرب نزل عليه الكتاب ، وهم قومه الّذين بعث فيهم أوّلا ، وظهرت دعوته فيهم ، وامتدّت منهم وبهم إلى سائر الأمم ، وكانوا إذا آمنوا يحبّون أن تكون وجهتهم في عبادتهم بيتهم الحرام .
وأن يحيوا سنّة إبراهيم ، بتطهيره من عبادة الأصنام ، لأنّه معبدهم ، وأشرف أثر عندهم ، ينسب إلى أبيهم إبراهيم الّذي بناه ، ورفع قواعده لعبادة اللّه تعالى ، وهو شرفهم ومجدهم وموطن عزّهم وفخرهم ، فأتمّ اللّه عليهم النّعمة بإعطائهم ما يحبّون ، وتوجيه جميع شعوب الإسلام إلى بلادهم ، إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها . وفي ذلك من الفوائد المادّيّة والمعنويّة ما لا يحصى من النّعم .
نعم إنّ كلّ أمر من اللّه تعالى فامتثاله نعمة ، ولكنّه إذا كان فيه حكمة ظاهرة وشرف للأمّة يتعلّق بتاريخها الماضي ، وبمجدها الآتي ، وكان أثره حميدا نافعا فيها ، تكون النّعمة به أتمّ والمنّة أكمل ، ولذلك عبّر بالإتمام .
وذكر الأستاذ الإمام [ محمّد عبده ] : من الحكمة في جعل القبلة في أوّل الأمر بيت المقدس ، أنّ الكعبة كانت في أوّل الإسلام مشغولة بالأصنام والأوثان ، وكان سلطان أهل الشّرك متمكّنا فيها ، والأمل في انكشافه عنها بعيدا ، فصرفه اللّه أوّلا عن استقبال بيت مدنس بعبادة الشّرك - وقد كان اللّه أمر إبراهيم بتطهيره للطّائفين والعاكفين والرّكّع السّجود - إلى بيت المقدس قبلة اليهود الّذين هم أقرب من المشركين إلى ما جاء به من التّوحيد والتّنزيه .
ولمّا قرب زمن تطهير البيت الحرام من الأصنام والأوثان وعبادتها وإزالة سلطة الوثنيّين عنه ، جعله اللّه تعالى قبلة للموحّدين ، ليوجّه النّفوس إليه ؛ فيكون ذلك