المفسّرين ، قالوا : وليس هو الذّبيح ، وإنّما الذّبيح إسماعيل . ( 3 : 210 )
الفخر الرّازيّ : واعلم أنّ من فسّر الاجتباء بالنّبوّة لا يمكنه أن يفسّر إتمام النّعمة هاهنا بالنّبوّة أيضا ، وإلّا لزم التّكرار ، بل يفسّر إتمام النّعمة هاهنا بسعادات الدّنيا وسعادات الآخرة .
أمّا سعادات الدّنيا : فالإكثار من الأولاد والخدم والأتباع ، والتّوسّع في المال والجاه والحشم ، وإجلاله في قلوب الخلق وحسن الثّناء والحمد .
وأمّا سعادات الآخرة : فالعلوم الكثيرة ، والأخلاق الفاضلة ، والاستغراق في معرفة اللّه تعالى .
وأمّا من فسّر الاجتباء بنيل الدّرجات العالية ، فهاهنا يفسّر إتمام النّعمة بالنّبوّة ، ويتأكّد هذا بأمور :
الأوّل : أنّ إتمام النّعمة عبارة عمّا به تصير النّعمة تامّة كاملة خالية عن جهات النّقصان . وما ذاك في حقّ البشر إلّا بالنّبوّة ، فإنّ جميع مناصب الخلق دون منصب الرّسالة ناقص بالنّسبة إلى كمال النّبوّة ، فالكمال المطلق والتّمام المطلق في حقّ البشر ليس إلّا النّبوّة .
والثّاني : قوله :
كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ
ومعلوم أنّ النّعمة التّامّة الّتي بها حصل امتياز إبراهيم وإسحاق عن سائر البشر ليس إلّا النّبوّة ، فوجب أن يكون المراد بإتمام النّعمة هو النّبوّة .
واعلم أنّا لمّا فسّرنا هذه الآية بالنّبوّة لزم الحكم بأنّ أولاد يعقوب كلّهم كانوا أنبياء ؛ وذلك لأنّه قال :
وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ
وهذا يقتضي حصول تمام النّعمة لآل يعقوب . فلمّا كان المراد من إتمام النّعمة هو النّبوّة لزم حصولها لآل يعقوب ترك العمل به في حقّ من عدا أبناءه ، فوجب أن لا يبقى معمولا به في حقّ أولاده .
[ إلى أن قال : ]
القول الثّاني : أنّ المراد من قوله :
وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ
خلاصه من المحن ، ويكون وجه التّشبيه في ذلك بإبراهيم وإسحاق عليهما السّلام هو إنعام اللّه تعالى على إبراهيم بإنجائه من النّار ، وعلى ابنه إسحاق بتخليصه من الذّبح .
والقول الثّالث : أنّ إتمام النّعمة وصل نعمة اللّه عليه في الدّنيا بنعمة الآخرة ، بأن جعلهم في الدّنيا أنبياء وملوكا ، ونقلهم عنها إلى الدّرجات العلى في الجنّة .
واعلم أنّ القول الصّحيح هو الأوّل ، لأنّ النّعمة التّامّة في حقّ البشر ليست إلّا النّبوّة ، وكلّ ما سواها فهي ناقصة بالنّسبة إليها . ( 18 : 90 )
نحوه النّيسابوريّ ( 12 : 83 ) ، والشّربينيّ ( 1 : 90 ) .
القرطبيّ : أي بالنّبوّة . وقيل : بإخراج إخوتك إليك . وقيل : بإنجائك من كلّ مكروه ،
كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ
بالخلّة ، وإنجائه من النّار . ( 9 : 129 )
أبو حيّان : [ ذكر مثل الزّمخشريّ وأضاف : ]
وقيل : بأن يحوج إخوتك إليك ، فتقابل الذّنب بالغفران ، والإساءة بالإحسان . ( 5 : 281 )
أبو السّعود : بأن يضمّ إلى النّبوّة المستفادة من الاجتباء الملك ويجعله تتمّة لها ، وتوسيط ذكر التّعليم المذكور بينهما لكونه من لوازم النّبوّة والاجتباء ، ولرعاية ترتيب الوجود الخارجيّ ، ولما أشرنا إليه من كون أثره وسيلة إلى تمام النّعمة .
ويجوز أن يعدّ نفس الرّؤيا من نعم اللّه تعالى عليه ،