العصمة الإلهيّة ، وجعل جواب ( لولا ) قوله :
لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ
دون نفس الرّكون ، والرّكون هو الميل أو أدنى الميل كما قيل ، دليل على أنّه صلّى اللّه عليه وآله لم يركن ولم يكد ، ويؤكّده إضافة « الرّكون » إليهم دون إجابتهم إلى ما سألوه .
والمعنى : ولولا أن ثبّتناك بعصمتنا دنوت من أن تميل إليهم قليلا ، لكنّا ثبّتناك فلم تدن من أدنى الميل إليهم .
فضلا من أن تجيبهم إلى ما سألوا ، فهو صلّى اللّه عليه وآله لم يجبهم إلى ما سألوا ، ولا مال إليهم شيئا قليلا ، ولا كاد أن يميل .
( 13 : 173 )
مكارم الشّيرازيّ : ومفهوم التّثبيت الإلهيّ والّذي نعتبره بأنّه العصمة ، أنّه منع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من التّوجّه إلى مزالق عبدة الأصنام ، ولا يعني ظاهر الآية - في حال - أنّه صلّى اللّه عليه وآله مال إلى المشركين ، ثمّ نهي عن ذلك بوحي من اللّه تعالى .
الآية الأولى والثّانية [ من سورة الإسراء : 73 ، 74
وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ . . . *
وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ . . .
] هما في الحقيقة إشارة إلى حالتين مختلفتين للرّسول صلّى اللّه عليه وآله ، الحالة الأولى هي الحالة البشريّة والإنسانيّة والّتي انكشفت بشكل واضح في الآية الأولى ، وبمقتضى هذه الحالة يمكن تأثير وساوس الأعداء في الرّسول صلّى اللّه عليه وآله ، خاصّة إذا كانت ثمّة مرجّحات في إظهار اللّيونة والتّوجّه إليهم ، من مثل رغبته صلّى اللّه عليه وآله في أن يسلم زعماء الشّرك بعد إظهار اللّيونة ، أو أن يمنع بذلك سفك الدّماء . والآية تكشف عن احتمال وقوع الإنسان العادي - ومهما كان قويّا - تحت تأثير الأعداء .
أمّا الآية الثّانية فهي ذات طبيعة معنويّة ؛ إذ هي تبيّن العصمة الإلهيّة ولطفه الخاصّ سبحانه وتعالى الّذي يشمل به الأنبياء ، خصوصا نبيّ الإسلام صلّى اللّه عليه وآله حينما يمرّ بمنعطفات ومزالق دقيقة .
والنّتيجة أنّ الرّسول صلّى اللّه عليه وآله بالطّبع البشريّ قد وصل إلى حافّة القبول ببعض وساوس الأعداء ، إلّا أنّ التّأييد الإلهيّ « العصمة » ثبّته وحفظه وأنقذه من الإنزلاق .
وهذا التّعبير نفسه نقرأه في سورة يوسف ؛ حيث جاء البرهان الإلهيّ في أدقّ اللّحظات وأخطرها ، في مقابل الإغواء الخطير وغير الاعتيادي لامرأة العزيز ، حيث قوله تعالى في الآية ( 24 ) من سورة يوسف :
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ .
وفي اعتقادنا أنّ الآيات أعلاه ليست لا تصلح أن تكون دليلا على نفي العصمة وحسب ، بل هي واحدة من الآيات الّتي تدلّ على العصمة ، لأنّ التّثبيت الإلهيّ هذا ، والّذي هو كناية عن العصمة أو التّثبيت الفكريّ والعاطفيّ والسّلوكيّ لا يخصّ فقط هذه الحالة ، وهذا الموقف ، بل هو يشمل الحالات المشابهة الأخرى ، وعلى هذا الأساس تعتبر الآية شاهدا على عصمة الأنبياء والقادة الإلهيّين .
أمّا الآية الثّالثة الّتي نبحثها والّتي تقول :
إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً
الإسراء : 75 ، فهي دليل على صحّة