والجواب عن الأوّل : أنّ « كاد » معناه المقاربة ، فكان معنى الآية أنّه قرب وقوعه في الفتنة ، وهذا القدر لا يدلّ على الوقوع في تلك الفتنة ، فإنّا إذا قلنا : كاد الأمير أن يضرب فلانا ، لا يفهم منه أنّه ضربه .
والجواب عن الثّاني : أنّ كلمة ( لولا ) تفيد انتفاء الشّيء لثبوت غيره ، تقول : « لولا عليّ لهلك عمر » معناه أنّ وجود عليّ منع من حصول الهلاك لعمر ، فكذلك هاهنا قوله :
وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ
معناه أنّه حصل تثبيت اللّه تعالى لمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكان حصول ذلك التّثبيت مانعا من حصول ذلك الرّكون .
والجواب عن الثّالث : أنّ ذلك التّهديد على المعصية لا يدلّ على الإقدام عليها ، والدّليل عليه آيات ، منها قوله :
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ * لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ
الحاقّة : 44 - 46 ، ومنها قوله :
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
الزّمر :
65 ، ومنها قوله :
وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ
الأحزاب : 48 ، واللّه أعلم .
احتجّ أصحابنا على صحّة قولهم : بأنّه لا عصمة عن المعاصي إلّا بتوفيق اللّه تعالى ، بقوله :
وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا
قالوا : إنّه تعالى بيّن أنّه لولا تثبيت اللّه تعالى له لمال إلى طريقة الكفّار ، ولا شكّ أنّ محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم كان أقوى من غيره في قوّة الدّين وصفاء اليقين ، فلمّا بيّن اللّه تعالى أنّ بقاءه معصوما عن الكفر والضّلال لم يحصل إلّا بإعانة اللّه تعالى وإغاثته ، كان حصول هذا المعنى في حقّ غيره أولى .
قالت المعتزلة : المراد بهذا التّثبيت : الألطاف الصّارفة له عن ذلك ، وهي ما خطر بباله من ذكر وعده ووعيده ، ومن ذكر أنّ كونه نبيّا من عند اللّه تعالى يمنع من ذلك .
والجواب : لا شكّ أنّ هذا التّثبيت عبارة عن فعل فعله اللّه يمنع الرّسول من الوقوع في ذلك العمل المحذور ، فنقول : لو لم يوجد المقتضي للإقدام على ذلك العمل المحذور في حقّ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، لما كان إلى إيجاد هذا المانع حاجة ؛ وحيث وقعت الحاجة إلى تحصيل هذا المانع علمنا أنّ المقتضي قد حصل في حقّ الرّسول صلّى اللّه عليه وآله ، وأنّ هذا المانع الّذي فعله اللّه تعالى منع ذلك المقتضي من العمل ، وهذا لا يتمّ إلّا إذا قلنا : إنّ القدرة مع الدّاعي توجب الفعل ، فإذا حصلت داعية أخرى معارضة للدّاعية الأولى اختلّ المؤثّر فامتنع الفعل ، ونحن لا نريد إلّا إثبات هذا المعنى ، واللّه أعلم . ( 21 : 21 )
النّيسابوريّ :
وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ
بالقول الثّابت ، وهو قول : « لا إله إلّا اللّه » إلى أن بلغت حقيقة « لا إله إلّا اللّه » . ( 15 : 80 )
محمّد جواد مغنيّه : ( ولولا ) حرف امتناع تدخل على جملتين ، وتربط امتناع الجملة الثّانية بوجود الأولى ، والجملة الممتنعة هي
لَقَدْ كِدْتَ ،
والجملة المانعة هي ( ثبّتناك ) أي عصمناك . وعليه يكون المعنى أنّك يا محمّد لولا عنايتنا بك بالعصمة عن الذّنب لأوشكت أن تركن إلى المشركين ، وتستجيب لهم ، فالعصمة هي الّتي منعتك عن الاستجابة ، وهذا تماما كقول القائل : لولا فلان لهلكت . ( 5 : 71 )
الطّباطبائيّ : التّثبيت - كما يفيد السّياق - هو