طويلا في مدارج التّدريج بنبوّة بعد نبوّة وشريعة بعد شريعة ، فإنّ الآيات الكريمة دالّة على أنّ الشّريعة الإسلاميّة تتضمّن جمل ما تقدّمت عليه من الشّرائع ، وتزيد عليها بما ليس فيها ، كقوله تعالى :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى
الشّورى : 13 .
وبذلك يظهر معنى « تمام الكلمة » وأنّ المراد به انتهاء تدرّج الشّرائع من مراحل النّقص إلى مرحلة الكمال ، ومصداقه الدّين المحمّديّ ، قال تعالى :
وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
الصّفّ : 8 ، 9 .
وتمام هذه الكلمة الإلهيّة ( صدقا ) هو أن يصدق القول بتحقّقها في الخارج ، بالصّفة الّتي بيّن بها ، و ( عدلا ) أن تتّصف بالتّقسيط على سواء ، فلا يتخلّف بعض أجزائه عن بعض ، وتزن الأشياء على النّحو الّذي من شأنها أن توزن به من غير إخسار أو حيف وظلم ، ولذلك بيّن هذين القيدين ، أعني
( صِدْقاً وَعَدْلًا )
بقوله :
لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ .
فإنّ الكلمة الإلهيّة إذا لم تقبل تبديلا من مبدّل سواء كان المبدّل هو نفسه تعالى ، كأن ينقض ما قضى بتبدّل إرادة ، أو يخلف ميعاده ، أو كان المبدّل غيره تعالى ، كأن يعجزه غيره ويقهره على خلاف ما يريد ، كانت كلمته ( صدقا ) تقع كما قال ، و ( عدلا ) لا تنحرف عن حالها الّتي كانت عليها وصفها الّذي وصفت به ؛ فالجملة أعني قوله :
لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ
بمنزلة التّعليل يعلّل بها قوله :
صِدْقاً وَعَدْلًا .
( 7 : 329 )
محمّد حسنين مخلوف : أي كمل كلامه تعالى وهو القرآن ، وبلغ الغاية ، صادقا في أخباره ، عادلا في أحكامه . ( 1 : 238 )
2 -
. . . وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا . . .
الأعراف : 137
مجاهد : المعنى ما سبق لهم في علمه وكلامه في الأزل ، من النّجاة من عدوّهم والظّهور عليه .
( أبو حيّان 4 : 376 )
الماورديّ : فيها قولان :
أحدهما : أنّ تمام كلمة الحسنى : ما وعدهم من هلاك عدوّهم واستخلافهم في الأرض ، بقوله :
عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ
الأعراف : 129 ، وسمّاها ( الحسنى ) لأنّه وعد بما يحبّون .
والثّاني : وهو قوله تعالى :
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ . . .
القصص : 5 . ( 2 : 254 )
الطّوسيّ : وقوله :
وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ
يعني صحّ كلامه بإنجاز الوعد الّذي تقدّم بإهلاك عدوّهم ، واستخلافهم في الأرض ، وإنّما كان الإنجاز تمام للكلام لتمام النّعمة به . ( 4 : 559 )
مثله الطّبرسيّ . ( 2 : 470 )
الزّمخشريّ : ومعنى تمّت على بني إسرائيل : مضت عليهم واستمرّت ، من قولك : تمّ على الأمر ، إذا مضى عليه . ( 2 : 109 )