باعتبار أنّهما منبتاهما ، ولعلّ القسم بهما لكونهما مبعثي جمّ غفير من الأنبياء .
وربّما كان هذا التّوجيه ناشئا من محاولة إيجاد نوع من التّناسب بين هاتين الكلمتين وبين الكلمتين التّاليتين ، ولكن ذلك خلاف الظّاهر في طبيعة مدلول الكلمتين . وقد لا يكون هناك أيّ ابتعاد عن التّناسب في الجمع بين هاتين الفاكهتين اللّتين تمثّلان موضع نعمة اللّه المادّيّة ، كما هما الكلمتان التّاليتان اللّتان تمثّلان منطلق نعمة اللّه الرّوحيّة ، واللّه العالم . ( 24 : 322 )
مكارم الشّيرازيّ : [ نقل أقوال السّابقين وقال : ]
ظاهر الآية يدلّ على أنّ المقصود هو الفاكهتان المعروفتان ، ولكن القسمين التّاليين يجعلان تفسير
( التِّينِ وَالزَّيْتُونِ )
بالجبلين أو المركزين المقدّسين أنسب .
( 20 : 282 )
المصطفويّ : هذه الآية تناسب ما بعدها
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
فإنّ تقويم البدن من جهة المادّة يؤثّر فيها التّين والزّيتون ، ويفيدان فيها وفي اعتدالها كثير فائدة . ( 1 : 285 )
الأصول اللّغويّة
1 - الأصل في هذه المادّة : التّين ، وهو الثّمر المعروف أو شجرته ، واحدته : تينة ، والتّينة أيضا : الدّبر ، ولعلّه تشبيه بوقب التّين . ولم يشتقّ منها فعل ولا مصدر ولا اسم سوى ما ذكر . وأطلق عليه أيضا البلس والكعر والجلداسيّ والقلّاريّ والطّبّار والفيلحانيّ والصّدى والملاحيّ والأزغب والوحشيّ والجمّيز ، وهي أصناف منه .
2 - ولم يتعرّض أحد من اللّغويّين والمفسّرين لأصله ، وكأنّهم سلّموا بأنّه عربيّ ، إلّا أنّ الفيّوميّ صرّح بذلك ، فقال : « هو عربيّ » ، وقال ابن قتيبة في تفسير
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ :
« جبلان بالشّام يقال لهما : طور تينا وطور زيتا بالسّريانيّة » ، وهذا تعريض لأعجميّته . ولكنّ « تينا » - بتائين وبكسر التّاء الأولى كما ورد - و « زيتا » في السّريانيّة شجرتا التّين والزّيتون ، وليسا منبتهما كما ذهب إليه ابن قتيبة .
وقد احتمل « آرثرجفري » أن يكون آراميّ الأصل ، بيد أنّه سلم بوروده في الشّعر العربيّ القديم ، وأيقن أنّه كان مستعملا في الجزيرة العربيّة قبل الإسلام .
الاستعمال القرآنيّ
جاء منه لفظ واحد ، مرّة واحدة :
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ
التّين : 1 .
يلاحظ أوّلا : أنّهم اختلفوا في
التِّينِ وَالزَّيْتُونِ
اختلافا فاحشا ، أهما الفاكهتان المعروفتان أم غيرهما ؟
والّذي دعاهم إلى ذلك أنّه لا مناسبة بينهما وبين
طُورِ سِينِينَ
و
الْبَلَدِ الْأَمِينِ .
ونحن نفضّل إبقاءهما على معناهما هذا ما لم تقم على غيرها حجّة من الكتاب والسّنّة ، ولم تقم ، إذ ليس هناك ما يمنع من ذلك ، فأقسم اللّه بفاكهتين لهما دور كبير في معيشة النّاس ، وبجبلين أو بلدين لهما دور كبير في هداية النّاس .
ثانيا : ينبغي أن نفتّش في أقسام القرآن عن المناسبة