وزيتونكم الّذي تعصرون منه الزّيت » قال تعالى :
وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ
المؤمنون : 20 . [ ثمّ نقل أقوال المفسّرين وقال : ]
ويرجّح القرطبيّ أنّهما التّين والزّيتون على الحقيقة ، وقال : لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلّا بدليل .
ولكن إذا أخذنا بالقول بأنّ
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ
هما هاتان الثّمرتان ، لا نجد جامعة بين التّين والزّيتون ، وبين طور سينين والبلد الأمين . وعادة القرآن أنّه لا يجمع بين الأقسام إلّا إذا كانت بينهما علاقة تشابه أو تضادّ ، وهنا لا نجد علاقة واضحة بين هاتين الفاكهتين ، وبين طور سينين والبلد الأمين ، اللّهمّ إلّا إذا قلنا : إنّ طور سيناء ينبت فيه التّين والزّيتون ، ويطيب ثمره ، فتكون العلاقة بينهما علاقة نسبة إلى المكان .
ويقوّي هذه النّسبة أنّ القرآن الكريم أشار في موضع آخر إلى منبت شجرة الزّيتون ، وأنّ طور سيناء هو أطيب منبت لها ؛ إذ يقول سبحانه :
وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ
المؤمنون : 20 .
وقيل : إنّ
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ
فاكهتان ، ولكن لم يقسم بهما هنا لفوائدهما ، بل لما يذكّران به من الحوادث العظيمة الّتي لها آثارها الباقية ، وذلك أنّ اللّه سبحانه وتعالى أراد أن يذكّرنا بأربعة فصول من كتاب الإنسان الطّويل ، من أوّل نشأته إلى مبعث النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم .
ف ( التّين ) إشارة إلى عهد الإنسان الأوّل ، فإنّ آدم - كما تقول التّوراة - كان يستظلّ في الجنّة بشجر التّين ، وعندما بدت له ولزوجه سوءاتهما طفقا يخصفان عليهما من ورق التّين ، فهذا أوّل فصل من فصول حياة الإنسان .
و ( الزّيتون ) إشارة إلى الفصل الثّاني ، وهو عهد نوح ؛ وذلك أنّه بعد أن فسد البشر ، وأهلك اللّه من أهلك بالطّوفان ، ونجّى نوحا ومن معه في السّفينة ، واستقرّت السّفينة على اليابسة نظر نوح - كما تقول التّوراة - إلى ما حوله ، فرأى المياه لا تزال تغطّي وجه الأرض ، فأرسل حمامة تأتي له بدليل على انحسار المياه عن وجه الأرض ، فجاءت إليه وفي فمها وريقات من شجر الزّيتون ، فعرف أنّ الحياة بدأت تظهر على وجه الأرض من جديد .
أمّا
طُورِ سِينِينَ
فهو إشارة إلى الفصل الثّالث من حياة الإنسان ، وهو ظهور الشّريعة الموسويّة ، وقد كانت تلك الشّريعة دعوة لكثير من أنبياء اللّه ورسله إلى عهد المسيح عليه السّلام ، الّذي كان خاتمة هذه الشّريعة .
وأمّا
الْبَلَدِ الْأَمِينِ
وهو مكّة ، فقد كان مطلع الرّسالة الخاتمة لما شرع اللّه للنّاس ، وبهما يختتم الفصل الأخير من حياة الإنسان على هذه الأرض .
وهذه كلّها أقوال متقاربة ، يمكن أن يؤخذ بأيّ منها ، أو بها جميعا . ( 15 : 1613 )
فضل اللّه : الظّاهر من هاتين الكلمتين اللّتين أقسم اللّه بهما ، أنّ المراد بهما : الفاكهتان المعروفتان المتميّزتان بخصائص غذائيّة ومذاقيّة معيّنة ، تجعلهما في موقع الإبداع من خلق اللّه ، وفي موقع النّعمة من نعم اللّه .
وقد جاء في بعض التّفاسير ، أنّ المراد بهما : شجر التّين والزّيتون . وقيل : المراد ب ( التّين ) : الجبل الّذي عليه دمشق ، ( والزّيتون ) : الجبل الّذي عليه بيت المقدس .
وقيل : إنّ المناسبة في إطلاق الفاكهتين على الجبلين