تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
قبل الدّعوى ، بل لك أن تقول : إنّها شجرة تخرج الثّمرة قبل أن تلبس نفسها بورد أو بورق ، والتّفّاح والمشمش وغيرهما تبدأ بنفسها ، ثمّ بغيرها ، أمّا شجرة التّين فإنّها تهتمّ بغيرها قبل اهتمامها بنفسها . فسائر الأشجار كأرباب المعاملة في قوله عليه السّلام : « ابدأ بنفسك ثمّ بمن تعول » وشجرة التّين كالمصطفى عليه السّلام كان يبدأ بغيره ، فإن فضل صرفه إلى نفسه ، بل من الّذين أثنى اللّه عليهم في قوله :
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
الحشر : 9 . وثالثها : أنّ من خواصّ هذه الشّجرة أنّ سائر الأشجار إذا سقطت الثّمرة من موضعها لم تعد في تلك السّنة ، إلّا التّين فإنّه يعيد البذر ، وربّما سقط ثمّ يعود مرّة أخرى . ورابعها : أنّ التّين في النّوم رجل خير غنيّ ، فمن نالها في المنام نال ما لا وسعة ، ومن أكلها رزقه اللّه أولادا . وخامسها : روي أنّ آدم عليه السّلام لمّا عصى وفارقته ثيابه تستّر بورق التّين ، وروي أنّه لمّا نزل وكان متّزرا بورق التّين استوحش ، فطاف الظّباء حوله فاستأنس بها ، فأطعمها بعض ورق التّين ، فرزقها اللّه الجمال صورة ، والملاحة معنى ، وغيّر دمها مسكا . فلمّا تفرّقت الظّباء إلى مساكنها رأى غيرها عليها من الجمال ما أعجبها ، فلمّا كانت من الغد جاءت الظّباء على أثر الأولى إلى آدم فأطعمها من الورق ، فغيّر اللّه حالها إلى الجمال دون المسك ، وذلك لأنّ الأولى جاءت لآدم لا لأجل الطّمع ، والطّائفة الأخرى جاءت للطّمع سرّا وإلى آدم ظاهرا ، فلا جرم غيّر الظّاهر دون الباطن . [ إلى أن قال : ] القول الثّاني : أنّه ليس المراد هاتين الثّمرتين ، ثمّ أدركوا وجوها : أحدها : قال ابن عبّاس : هما جبلان من الأرض المقدّسة ، يقال لهما بالسّريانيّة : طور تينا وطور زيتا ، لأنّهما منبتا التّين والزّيتون ، فكأنّه تعالى أقسم بمنابت الأنبياء ، فالجبل المختصّ ب ( التّين ) لعيسى عليه السّلام ، ( والزّيتون ) : الشّأم مبعث أكثر أنبياء بني إسرائيل و ( الطّور ) : مبعث موسى عليه السّلام و ( البلد الأمين ) مبعث محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم . فيكون المراد من القسم في الحقيقة : تعظيم الأنبياء ، وإعلاء درجاتهم . وثانيها : أنّ المراد من ( التّين والزّيتون ) : مسجدان ، ثمّ قال ابن زيد : ( التّين ) : مسجد دمشق . ( والزّيتون ) : مسجد بيت المقدس . وقال آخرون : ( التّين ) : مسجد أصحاب أهل الكهف ، ( والزّيتون ) : مسجد إيليا . وعن ابن عبّاس : ( التّين ) : مسجد نوح المبنيّ على الجوديّ ، ( والزّيتون ) : مسجد بيت المقدس . والقائلون بهذا القول إنّما ذهبوا إليه ، لأنّ القسم بالمسجد أحسن ، لأنّه موضع العبادة والطّاعة . فلمّا كانت هذه المساجد في هذه المواضع الّتي يكثر فيها التّين والزّيتون ، لا جرم اكتفى بذكر التّين والزّيتون . وثالثها : المراد من ( التّين والزّيتون ) : بلدان ، فقال كعب : ( التّين ) : دمشق ، ( والزّيتون ) : بيت المقدس ، وقال شهر بن حوشب : ( التّين ) : الكوفة ، ( والزّيتون ) : الشّام ، وعن الرّبيع : هما جبلان بين همدان وحلوان . والقائلون بهذا القول ، إنّما ذهبوا إليه لأنّ اليهود