وهذا كلّه جار في ما لسانه الوعد والإرجاء ، وهو أكثرها ، أمّا في ما أخبر اللّه بأنّه تاب على نبيّ أو على جماعة ، فلا ريب في وقوعها ، كجملة من آيات المحور الأوّل . وعليه فالآيات من هذه الجهة صنفان أيضا :
إخبار عمّا وقع ، ووعد بما سيقع . والبحث في وجوب قبول التّوبة على اللّه موضعه الصّنف الثّاني دون الأوّل .
وهناك بحث آخر في وجوب التّوبة على العباد ، ولا ريب فيه حسب الكتاب والسّنّة ، لاحظ نصّ « محمّد جواد مغنيّه » . بيد أنّ لسان الآيات يختلف فيه وضوحا وخفاء ، وشدّة وضعفا أيضا .
السّادس عشر : جاء المصدر بلفظ التّوبة ( 6 ) مرّات في ( 12 ) و ( 13 ) و ( 48 ) و ( 49 ) و ( 50 ) و ( 58 ) ، وبلفظ ( متابا ) مرّتين في ( 24 ) و ( 59 ) ، وفيها أبحاث :
1 - إطلاق التّوبة يحكي أنّها كانت في عصر النّبيّ ، وفي عرف القرآن مفهومة بكلا معنييها ، أي توبة العباد - وهي الظّاهر منها - وتوبة اللّه ، على العباد .
2 - وقد وزّعت الآيات بين المعنيين في بدء النّظر بنسبة 2 / 4 ، أربع من العباد ، واثنتان من اللّه ، فالتّوبة في ( 12 ) من اللّه ، وفي ( 13 ) من العباد ، وقد تقدّم البحث فيهما في الملاحظة الثّالثة والرّابعة . وفي ( 49 ) و ( 50 )
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ
من العباد ظاهرا ومن اللّه باطنا ، لما تقدّم في الملاحظة الثّانية عشرة أنّ توبة اللّه هي نفس قبول توبة العبد . وفي ( 48 ) خاصّ بالعباد ، لأنّهم مأمورون فيها بالتّوبة ، أمّا
تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ
في ( 58 ) فخاصّة باللّه ، على أثبت الأقوال ، كما يأتي .
3 - اختلفوا في « توبة من اللّه » من جهات :
الأولى : في وجه نصبها ، فهم بين من جعلها مفعولا لأجله ، أي إنّما اكتفى بصيام شهرين متتابعين بدلا من عتق رقبة ، من أجل توبته عليكم وقبوله توبتكم ، فهي مثل : « فعلت ذلك حذار الشّرّ » . ومن جعلها مصدرا مؤكّدا لفعل مقدّر ، أي تاب عليكم توبة منه . ومن جعلها حالا ، أي جعل الصّيام حال كونه توبة منه تعالى عليكم ، أو حال كونه توبة منكم إليه ؛ والأوّل هو الأقرب .
الثّانية : هل هذه التّوبة توبة اللّه على العباد كما هو ظاهرها ؛ حيث قال :
تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ ،
واختاره أكثرهم ؟ أو توبة العباد ، أي ليقبل توبتكم ؟ وهو تحميل للآية ، إلّا إذا أريد بتوبة اللّه دائما قبول توبة العباد بالذّات ، وقد اخترناه . ولكن هذا لا يحوّل
تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ
إلى توبة العباد .
الثّالثة : إطلاق التّوبة هنا بكلا معنييها يقتضي صدور التّقصير عن العبد في قتل الخطأ ، مع أنّه لا تقصير له . وبرّروا ذلك بوجوه ، جمعها الفخر الرّازيّ كما يلي .
أوّلا : أنّه كان مقصّرا في ترك الاحتياط .
وثانيا : أنّ اللّه خفّف عنه بإقامة الصّوم مقام الإعتاق عند العجز ، والتّخفيف من لوازم التّوبة ، فأطلق التّوبة وأريد به التّخفيف إطلاقا للملزوم على اللّازم .
وثالثا : أنّ المؤمن إذا اتّفق له ذلك يندم على فعله ، فسمّى اللّه ذلك النّدم توبة من العبد .
والأقرب أنّ التّوبة هنا - كما اختاره الطّبريّ وغيره - هي التّجاوز عن الإعتاق إلى الصّيام ، تخفيفا على العباد