8 - الاستغفار دعاء متّصل مستمرّ بين الإنسان وربّه ، فإنّه وإن اجتهد في الطّاعة وأخلص في العبادة ، لا يسلم أبدا من أن تصدر عنه زلّات . أمّا التّوبة فهي رجوع إلى اللّه بعد أن يبعد الإنسان عنه كثيرا بالمعاصي ، فهي في مواجهة موقف محدّد . فالاستغفار عمل مستمرّ ، والتّوبة خاصّة بحالة ارتكاب منكر من المنكرات .
هذه جهود مشكورة في فهم الآيات من غير ملاحظة سياقها ، وما اخترناه أوّلا هو الموافق للسّياق .
وبذلك يعلم أنّ هناك علاقة ماسّة بين المادّتين « ت وب » و « غ ف ر » ، وكثيرا ما يحلّ أحدهما محلّ الآخر .
الثّاني عشر : جاءت التّوبة من اللّه بألفاظ مثل :
( تاب اللّه ) ، ( يتوب اللّه ) ، ( توّاب ) ، ( انّما التّوبة على اللّه ) ونحوها . وجاءت في ( 49 ) و ( 50 ) مرّتين بلفظ ( هو يقبل التّوبة عن عباده ) ، فهل هما شيء واحد ، أو شيئان ؟ أي إذا تاب العبد وقبل اللّه توبته فقد تاب عليه ، أو أنّ التّوبة من اللّه عمل منه يلي قبول توبة العبد ؟ والأوّل هو الأقرب ، ويؤيّده ما يأتي :
1 - سبق أن قلنا : إنّ للّه توبتين : توبة قبل توبة العبد ، وهي توفيقه للتّوبة أو نحوه ، ممّا قد سبق الكلام فيه ، وتوبة بعد توبة العبد ، ولا يتصوّر له معنى سوى قبول توبة العبد بغفران ذنوبه ، وسوى إعطائه مزيدا من الأجر ، والثّواب . ولا يسمّى هذا توبة إلّا مجازا بعلاقة سببيّة .
2 - وصف اللّه ب « التّواب » ، أي أنّه - كما سيأتي - بمعنى كثير القبول لتوبة العبد .
3 - جاء في ذيل الآية ( 45 ) :
ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ
هود : 61 ، وما بعد الآية ( 49 ) :
وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . . .
الشّورى : 26 . ومعنى ذلك أنّ التّوبة من العبد دعاء منه ، ومن اللّه استجابة له ، فقوله :
إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ
حلّ محلّ
إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ
أو
تَوَّابٌ حَكِيمٌ
ونحوهما في سائر الآيات . فقد جاء في ذيل :
هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ
( 50 ) ، قوله :
( وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ،
وهو تأكيد لما قبله ، ووصف عامّ للّه ، كدليل على فعله الخاصّ .
4 - إنّ توبة العبد ليست سوى استغفار ذنوبه من اللّه ، وليست توبة اللّه عليه سوى غفران ذنوبه ، ولهذا جاءت « انه غفور رحيم » ونحوها ذيلا لتوبة العباد في كثير من الآيات كما جاء عكسه ، أي جاء ( توّابا رحيما ) ذيلا للاستغفار في الآيتين ( 53 ) و ( 54 ) :
فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ . . .
لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ،
وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً .
وجاء
فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ
في ( 3 ) ، و
يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ
في ( 49 ) ، فتوبته قبول توبتهم ، وعفوه غفران ذنوبهم .
5 - وفيها تأكيد أنّ غفران الذّنوب وقبول توبة العباد خاصّ باللّه ، ولا حظّ لغيره فيه ، حتّى الملائكة والأنبياء والأولياء . وهذا من أركان التّوحيد ودعائمه ، كما أنّ قبول الشّفاعة واستجابة الدّعاء والعبادة والاستعانة وأمثالها كلّها للّه سبحانه ، لا يشركه فيها أحد .
الثّالث عشر : وصف اللّه ب ( التّوّاب ) في إحدى عشرة آية ، وهي الآيات ( 1 ) و ( 2 ) ( 7 ) و ( 11 ) و ( 26 ) و ( 27 ) و ( 50 - 54 ) ، وجاءت كلّها ذيل الآيات ،