كفذلكة أو دليل لما قبلها . وقد فسّروه بالمتجاوز عن ذنوب العباد ، أو التّارك مجازاتهم ، أو قابل التّوب ، أو الكثير القبول للتّوبة ، أو ميسّر أسباب توبتهم مرّة بعد أخرى ، أو المكثر لإعانتهم على التّوبة - وهذا يرجع إلى التّوبة الأولى منه تعالى - أو قابل التّوبة وإن عظمت الذّنوب ، أو الرّجّاع على عباده بالمغفرة ، لأنّه إنّما يقبل التّوبة - لا لأمر يرجع إلى رقّة طبع ، أو جلب نفع ، أو دفع ضرر ، كما هو ديدن الملوك والرّؤساء ؛ إذ هم يقبلون توبة عبيدهم وخدّامهم مرّة ، ويرفضونها أخرى ، بحسب اختلاف حالتهم النّفسيّة من الرّضى والغضب ، بل لمحض الإحسان واللّطف والرّحمة والجود ، فإنّ فيضه لا ينقطع .
ولا تقصير إلّا من القابل ، أي العبد ، فكلّما ارتفع المانع من قبل القابل وصل الفيض إليه .
وعليه فالتّوّاب هو الغفّار ، وقد أعقب ( التّوّاب ) في كثير من الآيات ب « الرّحيم » في جمل اسميّة ، لأنّ رحمته سبب قبوله التّوبة . ورحمته صفة ثابتة له ، وراسخة في ذاته ، فتدلّ على الدّوام ، كما أنّ الجملة الاسميّة تدلّ على الثّبات أيضا .
ويشهد على ما ذكرنا في معنى ( التّوّاب ) أنّه جاء محلّه في اثنتي عشرة آية ( الغفور الرّحيم ) ، وهي : ( 4 ) و ( 17 ) و ( 18 ) و ( 19 ) و ( 23 ) و ( 27 ) و ( 28 ) و ( 31 - 35 ) ، وهي تزيد ( التّوّاب الرّحيم ) بواحدة . وفي ( 6 ) : ( رؤوف رحيم ) ، وفي ( 46 ) : ( رحيم ودود ) ، واكتفي في هذين ببيان سبب الغفران ، وهو الرّحمة والودّ من اللّه تعالى لعباده .
وقد جاء محلّ هذه الأوصاف أوصاف تحكي علمه تعالى بذنوب العباد وبصدق نيّتهم في المتاب ، وعن حكمته في الثّواب والعقاب . ففي ( 9 ) :
وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ،
وفي ( 12 ) :
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ، *
وفي ( 14 ) و ( 16 ) و ( 20 ) : ( عليم حكيم ) ، فدلّت على أنّ اللّه لا يغفر ذنوب عباده جهلا بها وبهم ، بل غفرانه عن علم كامل وحكمة بالغة .
الرّابع عشر : وصف اللّه ب « التّوّاب » ( 11 ) مرّة ووصف العباد بالتّوّابين مرّة واحدة في ( 55 ) :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ
وإن دلّ هذا على شيء فإنّه يدلّ على البون الشّاسع بين اللّه وعباده بنسبة 1 / 11 ، أي إذا كرّر العبد التّوبة فسيتلقّى أضعافها من اللّه ، لدوام فيضه واستمرار رحمته ، وفيه أبحاث :
1 - هناك فرق آخر بينهما ، وهو أنّ العباد يتّصفون بلفظ التّائب والتّائبين والتّائبات ، كما يوصفون بلفظ الآيب والمنيب ونحوهما ، دون اللّه ، لأنّ أوصاف اللّه توقيفيّة ، ولم يوصف في القرآن إلّا بالتّوّاب ، دون التّائب ونحوه . وكأنّه - مفردا وجمعا - منصرف إلى العباد وخاصّ بهم ، أمّا ( التّوّاب ) فمشترك بينهما لفظا ومختلف معنى ، كما علمت .
2 - وهناك نكات أخرى في صيغة الجمع ، فجاء ( التّوّاب ) في جانب اللّه ( 11 ) مرّة : ( 7 ) مرّات مرفوعا ، و ( 4 ) مرّات منصوبا ، فتفوّق الرّفع - وهو رمز العلوّ والتّأثير - على النّصب بنسبة 4 / 7 . وجاء في جانب العباد ( 3 ) مرّات : مرّة بلفظ ( توّابين ) في ( 55 ) منصوبا وشاملا للرّجال والنّساء ، ومرّة بلفظ ( التّائبون ) في ( 56 ) مرفوعا للرّجال ، ومرّة بلفظ ( تائبات ) في ( 57 ) منصوبا للنّساء ،