فقد روعي فيها موضع الجنسين إلى جانب مقام الرّبّ المتعال .
3 - وجاء ( التّوّاب ) أيضا وصفا للّه ، معرّفا باللّام في جملة مؤكّدة
إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ *
ثلاث مرّات في ( 1 ) و ( 2 ) و ( 7 ) : و
إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
مرّة في ( 11 ) . ومنكّرا مع التّأكيد مرّتين :
إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ
في ( 52 ) ، و
إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً
في ( 26 ) ، وبلا تأكيد مرّتين :
لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً
في ( 53 )
وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
في 27 .
4 - وقد جمع الوصفان ( التّوّاب ) و ( الرّحيم ) فيها جميعا . وجاء مرّة منفردا عنه مع التّأكيد
إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً
في ( 54 ) ، ومرّة مع ( حكيم ) بدل ( رحيم ) :
وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ
في ( 52 ) . ومعلوم أنّ لكلّ من وصفي ( الرّحيم ) و ( الحكيم ) حسب مرّاتها دخلا في وصفه بالتّوّاب ، والغالب عليه التّأكيد .
وقد أعقب ( التّوّابين ) ب ( المتطهّرين ) في الآية ، تنبيها وتأكيدا أنّ التّوّابين حقّا هم المتطهّرون ، أي الّذين يريدون ويحبّون أن يتطهّروا عن ذنوبهم أمام اللّه ، وقد تطهّروا بالفعل ، وأنّ اللّه إنّما يحبّ التّوّابين لأنّه يحبّ المتطهّرين ، وفي ذلك ألوان من الحكمة والودّ بين اللّه والعباد .
الخامس عشر : هناك بحث طويل في التّفاسير في وجوب التّوبة على اللّه ، وهو بحث كلاميّ سرى إلى التّفاسير من قبل المعتزلة الّذين يحمّلون قواعدهم العقليّة على اللّه ، ويطبّقونها عليه بنفس أسلوب تطبيقها في حقّ العباد . وقد أيّدوا حججهم العقليّة ، بما تمكّنوا من تأويل الكتاب والسّنّة ، وهذا ديدنهم في أصول العقيدة وأصول الفقه . ومن أجل ذلك احتجّ القاضي عبد الجبّار بقوله :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ . . .
في ( 12 ) على وجوب قبول التّوبة على اللّه عقلا ، وأبطل حجّته الفخر الرّازيّ في كلام طويل ، لاحظ النّصوص .
والحقّ أنّه لا يجب على اللّه شيء إلّا ما أوجبه على نفسه ووعد به ، فإنّه لا يخلف الميعاد ، وقد وعد اللّه عباده بقبول توبتهم إذا أحرزت الشّروط الّتي شرطها اللّه .
وهذا البحث جار في الآيات عامّة ، وفي هذه الآية خاصّة :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ . . . ؛
حيث أنّ ظاهرها أنّه تعالى أوجب على نفسه القبول ، كما أوجب على نفسه الرّحمة في قوله :
كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
الأنعام :
12 .
ومع ذلك فلسان الآيات مختلف ، فبعضها يعطي الرّجاء في قبول توبتهم دون قطع وبتّ ، مثل الآيتين ( 19 ) و ( 20 ) ، فقال في ( 19 ) :
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ،
ومثلها ( 25 ) :
فَأَمَّا مَنْ تابَ . . .
فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ،
وفي ( 20 ) :
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ .
وعلّق القبول على مشيئته أيضا في ( 16 ) و ( 17 ) :
وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ ،
ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ .
والحقّ أنّ الآيات إذا ضمّ بعضها إلى بعض تعطي الرّجاء دون قطع للعصاة من المؤمنين حسب مراتبهم من الطّاعة والعصيان ، فلاحظ الآيات من آخر التّوبة ، ففيها تفسير أصناف التّائبين .