لا يقبل اللّه توب العبد لو أخّرها إلى هذا الوقت ، والأوّل أقرب .
عاشرا : جاءت توبة اللّه في جملة من الآيات بلفظ ( الغفور الرّحيم ) أو ( رؤوف رحيم ) ونحوهما في خواتم الآيات ، مثل :
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *
في ( 4 ) و ( 19 ) و ( 28 ) و ( 30 ) و ( 32 ) و ( 34 ) و ( 35 ) ،
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
في ( 17 ) ،
إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ *
في ( 33 ) ،
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً *
في ( 18 ) و ( 23 ) ،
إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
في ( 6 ) ،
إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ
في ( 46 ) ، فهذه نظير ما جاء فيه بلفظ ( التّوّاب الرّحيم ) مثل ( 2 ) وغيرها . و ( الرّحيم ) فيها يشعر بأنّ غفران اللّه وتوبته على العباد تنشأ من رحمته تعالى عليهم .
ونظيرها قوله :
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً
في ( 22 ) ، وقوله :
فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا . . .
في ( 37 ) . فالغفّار بمثابة التّوّاب ، وقد قام مقامه ، أو هو مقدّمة لقبول التّوبة ، كما سنتكلّم عنه .
الحادي عشر : اجتمع الاستغفار والتّوبة من العباد في جملة من الآيات ، مثل :
وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ
في ( 43 - 46 ) ، فجاءا مفصولين ب « ثمّ » ، فيدلّ على أنّ الاستغفار شيء سوى التّوبة ، مقدّم عليه كمقدّمة لها .
وما يفضّ النّزاع ويحلّ المشكلة هو أنّ هذه الآيات كلّها في سورة هود ؛ إذ خاطب هود قومه عاد ، وخاطب صالح قومه ثمود ، وشعيب قومه أهل مدين ، وكانوا كلّهم مشركين . فاستغفارهم رجوع من الشّرك إلى التّوحيد أوّلا ، وتوبتهم رجوع عن الذّنب ثانيا .
والشّاهد عليه - مع وضوحه - أنّ ما قبلها جميعا نهي عن الشّرك ودعوة إلى التّوحيد ، فقبل الآية ( 43 ) :
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ
هود : 2 ، وقبل سائر الآيات :
يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
الأعراف : 59
وهناك أقوال أخرى غير موجّهة :
1 - ( ثمّ ) بمعنى « الواو » ، قاله الفرّاء وتبعه بعضهم .
2 - اطلبوا المغفرة كغرض لكم ، ثمّ توصّلوا إليه بالتّوبة ، فالغفران هدف والتّوبة وسيلة له ، قاله الطّوسيّ ومن تبعه .
3 - استغفروا ربّكم ، ثمّ أخلصوا له التّوبة ، وبينهما تراخ زمانيّ ورتبيّ . فالاستغفار طلب غفران الذّنوب ، والتّوبة انقطاع العبد إلى اللّه بالكلّيّة ، وهو مرويّ عن الشّريف الرّضيّ . ووجّهوه بأنّ الاستغفار لا يكون توبة ما لم يقل المستغفر : « تبت » ، وينوي أن لا يعود إليه أبدا ، وهو التّوبة الصّادقة .
4 - الاستغفار توبة عمّا وقع من الذّنوب ، والتّوبة استغفار عمّا يقع بعدها في الحال أو في المستقبل .
5 - الاستغفار طلب الغفر ، أي السّتر من اللّه والعفو عنه ، والتّوبة الرّجوع إليه مع النّدم عمّا مضى ، والعزم على عدم العود .
6 - الاستغفار ترك المعصية ، والتّوبة الرّجوع إلى الطّاعة .
7 - الاستغفار المأمور به مسبوق بالتّوبة الّتي بمعنى النّدم ، ويتلوه التّوبة ، فهناك ثلاثة أمور متتابعة : ندم ، واستغفار ، ثمّ توبة .