تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
الآية ، واثنان في ذيلها
تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ . . .
هُوَ التَّوَّابُ ، *
ويتوسّطها قوله : ( ليتوبوا ) ، وهي للعباد . وإذا ضمّت هذه الآية إلى ما قبلها
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ
- وقد تكلّمنا حولها - فيرتقي ذكر التّوبة فيهما إلى ستّ مرّات . ومعلوم أنّ تكرار التّوبة من اللّه على الّذين خلّفوا صدرا وذيلا تطييب لقلوبهم ، وتأكيد للطف اللّه بهم ، وقد سبق بيانه في الآية ( 6 ) . إنّما الكلام هنا في قوله :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ،
حيث ترتّبت وتعاقبت فيها توبة العباد على توبة اللّه ، وهو خلاف المعتاد الّذي مرّ في ( ج ) ، فأوّلوها بوجوه : 1 - لطف اللّه بهم في التّوبة ووفّقهم لها . 2 - قبل توبتهم ليتمسّكوا بها في المستقبل . 3 - قبل توبتهم ليرجعوا إلى حال الرّضا عنهم ، أو إلى حالتهم الأولى قبل المعصية ، أو ليرجعوا إلى حالهم في الاختلاط بالمؤمنين ، لأنّهم كانوا منعزلين عنهم ، فلا يكلّمهم أحد منهم . 4 - رجع عليهم بالرّحمة وقبول العذر ، ليستقيموا ويثبتوا على توبتهم في المستقبل ، ولا يرجعوا إلى ما يبطلها ، ويتوبوا لو فرطت منهم خطيئة أيضا ، علما منهم أنّ اللّه توّاب رحيم . 5 - سهّل لهم التّوبة حتّى تابوا . 6 - تاب عليهم في الماضي ليكون داعيا لهم في المستقبل . 7 - تاب عليهم لينتفعوا بالتّوبة ، ويتوفّر لهم ثوابها . 8 - قال الفخر الرّازيّ : لتدلّ على أنّ فعل العبد فعل اللّه ، ( فتاب عليهم ) فعل اللّه ، و ( ليتوبوا ) فعل العباد ، ونظيرها
فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا
التّوبة : 82 ، مع قوله :
وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى
النّجم : 43 ، وذكر له في القرآن شواهد أخرى . هذا رأي الأشاعرة ، وينكره المعتزلة والإماميّة ومن ينحو نحوهم ، مع أنّه بعيد عن سياق الآية ، بل هي على خلاف هذا القول أدلّ ؛ إذ ظاهرها أنّ هناك توبتين : توبة من اللّه ، وتوبة من العبد ، وهما مختلفتان تماما ، والأولى داعية إلى الثّانية وباعثة عليها . 9 - ما أفاده الطّباطبائيّ أنّ للّه توبتين : توبة قبل توبة العبد ، وتوبة بعدها ، وتوبة العبد محفوفة بهما ، وأنّ اللّه يرجع إلى العبد بالتّوفيق لهم وإفاضة رحمة الهداية عليهم - وهو التّوبة الأولى منه - فيهتدي العبد إلى الاستغفار ، وهو توبته ، فيرجع اللّه تعالى إليه بقبول توبته وغفران ذنوبه ، وهو التّوبة الثّانية منه تعالى . ومآل هذا الوجه إلى بعض الوجوه السّابقة ، ولا بأس به . ز - ما كرّرت خمس مرّات : مرّتين من اللّه ، وثلاث مرّات من العباد :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ . . .
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ . . .
حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ
( 12 ) و ( 13 ) . فظهر أنّ التّوبة الأولى والثّالثة من اللّه ، والثّانية والرّابعة والخامسة من العبد ، وكلّها مثبتة سوى الرّابعة ( وليست التّوبة ) فمنفيّة ، أي لا تصحّ توبة العبد إذا أخّرها إلى وقت حضور الموت . وجاز أن تكون هذه من اللّه أيضا ، لتكون نفيا بإزاء
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ ،
أي