11 - فرّق الطّباطبائيّ بين الآيتين : ( 117 ) و ( 118 ) من هذه السّورة ، وأنّ نوع التّوبة على أهل الآيتين مختلف ، فقد تاب على جميع أهل الآية الأولى - وهم النّبيّ والمهاجرون والأنصار - أو على بعضهم من غير معصية منهم ، وتاب على أهل الثّانية - أي الثّلاثة الّذين خلّفوا - وهم عاصون .
غير أنّ السّياق يدلّ على أنّهما مسوقتان لغرض واحد ، ومتّصلتان بكلام واحد ، لأنّ الثّانية عطفت على الأولى ، أي « على الثّلاثة » عطف على « النّبيّ والمهاجرين » ، فهي غير مستقلّة عنها لفظا ، بل مستقلّة عنها معنى ، وفي الأولى دلالة واضحة على أنّه لم يكن للنّبيّ ذنب . . . إلى آخر ما ذكره مطوّلا ، وهو خلاف سياق الآيات ، ولا سيّما قوله :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ .
تاسعا : لقد كرّرت التّوبة في بعض الآيات ، وهي أقسام :
أ - ما كرّرت مرّتين ، وكلاهما من اللّه :
1 -
فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
( 1 ) .
2 -
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ . . .
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ
( 6 ) .
3 -
وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
( 11 ) .
4 -
أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ . . .
وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
( 50 ) .
ولا ريب أنّ تكرار التّوبة من اللّه للتّأكيد ، ولا سيّما بلفظ ( التّوّاب الرّحيم ) ، دلالة على أنّها صفة ثابتة للّه ، وأنّه مستعدّ دائما لقبول توبة العباد ، والعطف عليهم بلا حدّ ولا منتهى إذا أذنبوا وتابوا ، وسنوضّح ذلك في معنى « التّوّاب » .
وللمفسّرين وجوه في تكرار التّوبة في الآية ( 6 ) ، وحاصلها ما يلي :
1 - التّأكيد لقبول توبتهم تطييبا لقلوبهم ، وإزالة لوساوسهم ، وهو بمثابة : عفا السّلطان عن فلان ، ثمّ عفا عنه . فدلّ على أنّ ذلك العفو عفو متأكّد ، بلغ الغاية في الكمال والقوّة .
2 - أو أنّ الأولى في الذّهاب إلى « تبوك » ، والثّانية في الرّجوع عنها .
3 - الأولى في السّفر ، والثّانية بعد العودة إلى المدينة .
4 - الأولى قبل توبتهم والثّانية بعدها .
5 - الأولى قبل ذكر الذّنب والثّانية بعده .
6 - الأولى للنّبيّ والمهاجرين والأنصار جميعا ، وهي لطف وتكريم لهم من دون ذنب منهم ، والثّانية خاصّة بالمهاجرين والأنصار أو ببعضهم بإزاء ما صدر عنهم من ذنب ، وهو الّذي يستفاد من كلام الطّباطبائيّ على طوله .
7 - الأولى إنشاء للتّوبة ، والثّانية استدامتها .
8 - إنّه لمّا ذكر أنّ فريقا منهم كادت قلوبهم تزيغ ، نصّ على التّوبة ثانيا ، رفعا لتوهّم أنّه سكوت عنهم في التّوبة فكرّرها ، وذكر سببها ، وهو رأفته بهم ورحمته لهم .
ومن هذا القبيل الآيتان ( 14 ) و ( 15 ) ، فالثّانية من تتمّة الأولى في سورة النّساء ( 26 ) و ( 27 ) ، وقد كرّر فيهما
يَتُوبَ عَلَيْكُمْ . *
ب - ما كرّرت مرّتين ، وكلاهما من العباد :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً
( 48 ) .
وقد جاء في النّصوص تفسير « التّوبة النّصوح »