اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ . . .
فلا يأتي فيها شيء من التّوجيهات المذكورة في سائر الآيات ، لأنّها راجعة جميعا إلى توبة الأنبياء دون توبة اللّه عليهم . وقد زاد الطّين بلّة أنّها ضمّت النّبيّ إلى المهاجرين والأنصار ، فتاب اللّه عليهم جميعا ، كما جاء فيها بصيغة واحدة ، فظاهرها صدور ذنب عنه عليه السّلام وعنهم في عرض واحد .
وقد أوّلوها بوجوه بعد اتّفاقهم على نزول الآية في شأن غزوة تبوك ، وكانت شاقّة عليهم جدّا ، كما صرّح به القرآن
فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ :
1 - توبته على النّبيّ من أجل أنّه أذن للمنافقين في القعود ، وكان يرى فيه مصلحة ، ودليله قوله قبلها في هذه السّورة :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ
التّوبة : 43 ، فأرشده اللّه إلى ما هو أعلى من ذلك ، فمرجعه إلى ترك الأولى .
وما أحسن قول الطّبرسيّ فيها ( 5 : 65 ) : « وهذا من لطيف المعاتبة ، بدأ بالعفو قبل العتاب » .
وأمّا التّوبة على المؤمنين فمن أجل ميل قلوب بعضهم إلى التّخلّف عنه من شدّة العناء ، أو من أجل زيغ قلوب فريق منهم ، كما صرّحت به الآية ، أو تثاقل بعضهم في الخروج ، أو استماعهم إلى المنافقين ، فيما كانوا يبغون من فتنة المؤمنين .
2 - ازداد عنهم رضا ، فأكّده بقوله :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ .
3 - رزق اللّه النّبيّ والمهاجرين والأنصار الإنابة إلى اللّه في ساعة العسرة ، والثّبات على دينه ، والصّمود في طاعته .
4 - استنقاذهم من شدّة العسر وتخليصهم من نكاية العدوّ ، وعبّر عنها بالتّوبة ، لأنّها لغة رجوع إلى الحالة الأولى .
5 - لقد أقسم لهم - لأنّ اللّام في « لقد » للقسم - بأنّه رجع عليهم مرّتين : مرّة قبل توبتهم ، ومرّة بعد توبتهم ؛ حيث قال :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ ،
فقبل توبتهم عمّا صدر عنهم من ترك الأولى في النّبيّ وخواطر السّوء في المؤمنين .
6 - افتتح اللّه توبته على النّبيّ ، فذكره مفتاحا للكلام وتحسينا له ، أو لأنّه كان سبب توبتهم فذكره معهم ، كقوله :
فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ
الأنفال : 41 ، عند من جعل ذكر اللّه تبرّكا ، لا استحقاقا للخمس .
7 - إنّه بعث للمؤمنين على التّوبة ، وأنّه مامن مؤمن - حتّى النّبيّ - إلّا وهو محتاج إلى التّوبة ، كما أنّه إبانة لفضل التّوبة عند اللّه ، وأنّ صفة التّوّابين صفة الأنبياء ، كما وصفهم بالصّالحين ليظهر فضيلة الصّلاح ، ولهذا كرّرها .
8 - إنّهم لمّا تحمّلوا مشاقّ هذا السّفر ومتاعبه ، وصبروا على تلك الشّدائد والمحن ، جعلها اللّه مكفّرة لجميع الزّلّات الّتي صدرت عنهم طيلة حياتهم ، وقامت مقام التّوبة منهم .
9 - ضمّ إليهم اسم النّبيّ تنبيها على عظم مراتبهم في الدّين ، وأنّهم قد بلغوا إلى الدّرجة الّتي ضمّ فيها النّبيّ إليهم .
10 - ونحوها ممّا يرجع إلى إحدى هذه ، أو إلى ما أحصيناه من الوجوه قبلها .