رجوع رحمة ، و « على » لاستعلاء اللّه على العباد حين يتوب عليهم ، لأنّه المتعال على كلّ شيء .
وجاءت أكثر آيات الصّنف الثّاني بدون متعلّق ، مثل :
وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً . . .
وقد تعدّت بعضها ب « إلى » ، مثل : ( 24 ) :
فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً ،
و ( 38 ) :
سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ
و ( 39 ) :
إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ ،
وفي ( 43 - 46 ) :
ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ، *
وفي ( 47 ) و ( 48 ) :
تُوبُوا إِلَى اللَّهِ ، *
وفي ( 59 ) :
وَإِلَيْهِ مَتابِ .
ومعنى ذلك أنّ العباد يرجعون من الموضع الدّاني إلى اللّه المتعالي ، وهذا هو الفارق بين « تاب على » و « تاب إلى » ، فالأوّل خاصّ باللّه ربّ العباد ، والثّاني خاصّ بالعباد .
ثالثا : وقد يتغيّر الأسلوب فيهما ، ففي صدر ( 12 ) :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
فانعكس الأمر ، حيث تعلّق « على » باللّه ، و « اللّام » بالنّاس ، فيتوهّم أنّها صنف ثالث بإزائهما . وليست كذلك ، بل معناها أنّ اللّه أخذ على نفسه للنّاس أن يتوب
لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ،
فتدلّ على أنّ توبة اللّه عليهم تتحقّق عقيب توبتهم ، فهي من القسم الأوّل كما سيأتي .
رابعا : « التّوبة » إلى اللّه قسمان : ففي بعض الآيات مقدّمة على توبة اللّه عليهم ، وفي بعضها متأخّرة عنها .
فمن الأوّل الآية ( 12 ) ، فإنّ الّذين يعملون السّوء بجهالة إذا تابوا إلى اللّه فعند ذلك يتوب اللّه عليهم ، كما قال في ذيلها :
فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ .
ومثلها ( 2 ) :
فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ . . .
فَتابَ عَلَيْكُمْ ،
و ( 4 ) :
فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ،
و ( 26 ) :
وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا . . .
إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً ،
و ( 27 ) :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ،
وهذا هو طبيعة التّوبتين ، فإنّ توبة العباد مجلبة لتوبة اللّه عليهم .
ومن الثّاني الآية ( 7 ) :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ،
وقد فسّروها بوجوه :
1 - لطف بهم في التّوبة ، ووفّقهم لها فتابوا ، والأصل فيه قول الحسن : « جعل لهم التّوبة ليتوبوا بها » والمخرج ليخرجوا به » . فالتّوبة نعمة من اللّه أنعمها عليهم ، كما أنّ الدّعاء نعمة منه . وإليه يؤول كلام الطّبرسيّ : « ثمّ سهّل اللّه عليهم التّوبة حتّى تابوا » . وبهذا احتجّ الفخر الرّازيّ على أنّ فعل العبد فعل اللّه ، فنسب التّوبة إليهما ، وقد ذكر لها نظائر من القرآن ، فلاحظ وتأمّل .
2 - قبل توبتهم ليستقيموا على توبتهم ، ويثبتوا عليها في المستقبل .
3 - تاب اللّه عليهم لينتفعوا بها فيتوبوا ، وعليه فللّه توبتان تتوسّطهما توبة العباد ، فتاب عليهم ليتوبوا ، ثمّ قال :
أَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . *
ولعلّ الوجه الأخير أقرب إلى السّياق ، وأليق بكرامة اللّه تعالى للعباد وهو الّذي اعتمد عليه الطّباطبائيّ .
خامسا : تنقسم آيات التّوبة إلى توبة عن معصية - وهي الأكثر - وتوبة عن كفر ونفاق ، وهي الأقلّ ، ويشخّصهما السّياق :
فالقسم الأوّل خطاب للمؤمنين ، ويقارن بأمور