النّيسابوريّ : [ نحو الفخر الرّازيّ وأضاف : ]
أقول : ويحتمل أن يكون
لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ
جعل كناية عن الموت على الكفر ، كأنّه قيل : إنّ اليهود والمرتدّين المصرّين على الكفر ما يتوبون عن الكفر ، لما في فعلهم من قساوة القلوب والإفضاء إلى الرّين ، وانجراره إلى الموت على حالة الكفر .
وفائدة هذه الكناية تصوير كونهم آيسين من الرّحمة . هذا إذا خصّصنا اليهود والمرتدّين بالمصرّين .
وأمّا على تقدير التّعميم ، فنقول : إنّما يجعل الموت على الكفر لازما لازدياد كفرهم ، لأنّ القضيّة حينئذ لا تكون كلّيّة ، فكم من مرتدّ أو يهوديّ مزداد للكفر لا بمعنى الإصرار ، يرجع إلى الاسلام ولا يموت على الكفر . فاكتفى بذكر لازم الموت على الكفر ، وهو عدم قبول التّوبة ، حتّى برز الكلام في معرض الكناية .
ومن المعلوم أنّها ذكر اللّازم وإرادة الملزوم ، وأنّه لا بدّ للعدول من فائدة ، فصحّ أن نبيّن فائدة العدول على وجه يصيّر القضيّة كلّيّة ، وهي التّغليظ في شأن أولئك الفريق من الكفّار ، وإبراز حالهم في صورة حال الآيسين من الرّحمة ، الّتي هي أغلظ الأحوال وأشدّها .
ألا ترى أنّ الموت على الكفر إنّما يخاف لأجل اليأس من الرّحمة ، وهذا هو الّذي عوّل عليه في « الكشّاف » .
والحاصل أنّه كأنّه قيل : إنّ اليهود والمرتدّين الّذين فعلوا ما فعلوا من حقّهم ، أن لا تقبل توبتهم . ( 3 : 245 )
أبو حيّان : ويحتمل قوله :
لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ
وجهين :
أحدهما : أنّه تكون منهم توبة ولا تقبل ، وقد علم أنّ توبة كلّ كافر تقبل سواء كفر بعد إيمان وازداد كفرا أم كان كافرا أوّل مرّة ، فاحتيج في ذلك إلى تخصيص . [ ثمّ نقل أقوال المفسّرين وقال : ]
وقيل : لن تقبل توبتهم الّتي تابوها قبل أن كفروا ، لأنّ الكفر قد أحبطها .
وقيل : لن تقبل توبتهم إذا تابوا من كفر إلى كفر ، وإنّما تقبل إذا تابوا إلى الإسلام ، وفاصل هذا التّخصيص أنّه تخصيص بالزّمان أو بوصف في التّوبة .
والوجه الثّاني : أن يكون المعنى لا توبة لهم فتقبل ، فنفى القبول والمراد نفي التّوبة ، فيكون من باب قوله :
* على لاحب لا يهتدى لمناره *
أي لا منار له فيهتدى به ، ويكون ذلك في قوم بأعيانهم ، حتم اللّه عليهم بالكفر ، أي ليست لهم توبة ، فهم لا محالة يموتون على الكفر . ( 2 : 519 )
الشّربينيّ : إن قيل : قد وعد اللّه تعالى قبول توبة من تاب فما معنى قوله تعالى :
لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ؟
أجيب : بأنّ محلّ القبول إذا كان قبل الغرغرة وهؤلاء توبتهم كانت بعدها ، وإنّهم لم يتوبوا أصلا ، فكنّى عن عدم توبتهم بعدم قبولها ، أو أنّ توبتهم لا تكون إلّا نفاقا .
( 1 : 230 )
أبو السّعود : لأنّهم لا يتوبون إلّا عند إشرافهم على الهلاك ، فكنّى عن عدم توبتهم بعدم قبولها تغليظا في شأنهم ، وإبرازا لحالهم في صورة حال الآيسين من الرّحمة ، أو لأنّ توبتهم لا تكون إلّا نفاقا لارتدادهم وازديادهم كفرا ، ولذلك لم تدخل فيه الفاء . ( 1 : 389 )
مثله البروسويّ ( 2 : 61 ) ، ونحوه القاسميّ ( 4 :