وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها
الشّمس : 9 ، 10 .
فإذا بلغت التّدسية من بعضها مبلغا تتعذّر معه التّزكية على مريدها أو محاولها ، صحّ أن يعبّر عن ذلك بعدم قبول توبة صاحب هذه النّفس ، مثال ذلك الثّوب الأبيض النّاصع يصيبه لوث ، فيستقبح ذلك صاحبه فيغسله فينظف . فإذا كان اللّوث قليلا وبادر إلى غسله بعيد طروئه ، يرجى أن يزول حتّى لا يبقى له أثر . ولكن هذا الثّوب إذا دسّ في الأقذار سنين كثيرة حتّى تخلّلت جميع خيوطه ، وتمكّنت منها فاصطبغ بها صبغة جديدة ثابتة ، تعذّر تنظيفه وإعادته إلى نصاعته الأولى .
وبين هذه الدّرجة وما قبلها درجات كثيرة ، وقد أشير إلى الطّرفين بقوله تعالى :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
النّساء : 17 ،
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ
النّساء : 18 . ( 3 : 366 )
نحوه المراغيّ . ( 3 : 208 )
عزّة دروزة : ولقد تعدّدت تأويلات المفسّرين لمفهوم الآية : 90 من سورة آل عمران الّذي يمنع قبول توبة الّذين كفروا بعد إيمانهم ثمّ ازدادوا كفرا ، فقال بعضهم : إنّها تعني أن لا تقبل توبتهم ما داموا مشتدّين في كفرهم .
وقال بعضهم : لا تقبل منهم أعمال خير وهم على كفرهم ، وهذا وذاك من تحصيل الحاصل .
وقال بعضهم : لا تقبل توبتهم حين الظّفر بهم ، لأنّ توبتهم تكون غير صادقة .
وقال بعضهم : لا تقبل توبتهم إذا تابوا حين الموت .
وقد يكون في القولين الأخيرين الوجاهة والصّواب . وفي سورة النّساء آيات تؤيّد القول الأخير خاصّة ، حيث جاء فيها
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ
الآية ، النّساء : 17 ، 18 .
ويتبادر لنا إلى ذلك أنّ أسلوب الآية والآية الّتي تليها هو أسلوب تعبيريّ في صدد شدّة الإنذار ، تتناسب مع فضاعة العمل . ( 8 : 126 )
الطّباطبائيّ :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً
إلى آخر الآيتين ، تعليل لما يشتمل عليه قوله أوّلا :
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا . . .
آل عمران :
86 ، وهو من قبيل التّعليل بتطبيق الكلّيّ العامّ على الفرد الخاصّ .
والمعنى أنّ الّذي يكفر بعد ظهور الحقّ وتمام الحجّة عليه ، ولا يتوب بعده توبة مصلحة إنّما هو أحد رجلين :
إمّا كافر يكفر ثمّ يزيد كفرا فيطغى ، ولا سبيل للصّلاح إليه ، فهذا لا يهديه اللّه ولا يقبل توبته ، لأنّه لا يرجع بالحقيقة بل هو منغمر في الضّلال ، ولا مطمع في اهتدائه .
وإمّا كافر يموت على كفره وعناده من غير توبة يتوبها ، فلا يهديه اللّه في الآخرة بأن يدخله الجنّة ؛ إذ لم يرجع إلى ربّه ، ولا بدل لذلك حتّى يفتدي به ، ولا شفيع ولا ناصر حتّى يشفع له أو ينصره . ( 3 : 341 )
مكارم الشّيرازيّ : [ ذكر الوجوه المذكورة عن المفسّرين ، في عدم قبول التّوبة وأضاف : ]
لا بدّ أن نضيف هنا أنّ التّفاسير المذكورة آنفا