تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
التّائب على طريقة الصّلاح ، وبعد من قبائح الأفعال ، وخرج عن الإصباب « 1 » والإصرار ، إلى الإشفاق والحذار ، ألا ترى إلى قوله تعالى :
فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ
المؤمن : 7 ، فلم يجتز بقوله : ( تابوا ) حتّى قال :
وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ،
أي لازموا الطّريقة الصّالحة ، وفارقوا الأعمال الموبقة . ويحتمل ذلك أيضا أن يكون هؤلاء القوم أظهروا التّوبة ولم يعتقدوها بل عزموا في المستقبل على إثبات أمثال ما تابوا منه ، ولم يندموا على ما فعلوه لقبحه ، وهذان الأمران - أعني النّدم على فعل القبيح لأنّه قبيح ، والعزم على ترك معاودة مثله في المستقبل - طنبا التّوبة وعموداها اللّذان بهما تقوم وعليهما تستقيم ، فإذا أخلّ بهما أو بواحد منهما كانت التّوبة معتلّة غير سليمة ، ومعوجّة غير قويمة . وقد روي أنّ هذه الآية نزلت في قوم ارتدّوا مع الحارث بن سويد بن الصّامت الأنصاريّ ولحقوا بمكّة ، ثمّ راجع الحارث الإسلام ووفد إلى المدينة ، فتقبّل النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله توبته ، فقال من بقي من أصحابه على الرّدّة : « نقيم بمكّة ما أردنا ، فإذا صرنا إلى أهلنا رجعنا إلى المدينة وأظهرنا التّوبة ، فقبلت منّا كما قبلت من الحارث قبلنا . فهذا الخبر يدلّ على أنّهم عزموا على إظهار التّوبة بألسنتهم عياذا وليسوا بعاقدين عليها إخلاصا ، فلذلك قال سبحانه :
وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ،
لأنّهم لو حقّقوا التّوبة وأخلصوا فيها ، لكانت مقبولة منهم ومحسوبة لهم . يبيّن ذلك قوله تعالى أمام هذه الآية :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
آل عمران : 89 ، ومعنى الإصلاح هاهنا : الإخلاص في التّوبة ، حتّى يكون الباطن كالظّاهر والخافي كالعالن ، فأخبر سبحانه أنّه لا يقبل من التّوبة إلّا ما عقدت عليه القلوب والضّمائر ، وصدّقته الأفعال والظّواهر . وقال بعضهم : إنّما قال سبحانه :
لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ،
لأنّهم تابوا من الكفر الزّائد ، وثبتوا على الأصل الثّابت ، فلذلك كانت توبتهم غير مقبولة ، وقيل : بل تابوا من الكفر الأوّل ولم يتوبوا من الكفر الثّاني ، فكان كفرهم واقعا بعد التّوبة ، فلذلك لم يقبل منهم . وقد يجوز عندي - واللّه أعلم - أن يكون المراد بذلك
لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ
أي لا تقبل توبتهم وهم على هذه الصّفة من كونهم ضالّين ، فيكون قوله تعالى :
وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ
حالا ، ولا يكون ابتداء وخبرا . فنفى تعالى قبول التّوبة منهم وهم في حال الضّلال ، لأنّ التّوبة - كما بيّنّا أوّلا - لا يجب قبولها إلّا مع الإخلاص والتّحقيق ، وبقاء العقد والضّمير . ألا ترى إلى قوله تعالى في الآية الّتي فيها يذكر النّساء :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ
النّساء : 145 ، فذكر تعالى بعد ذكر التّوبة ، الإصلاح والإخلاص ، لأنّ التّوبة إن لم يتبعها ذلك لم تسمّ توبة ولم تسقط عقوبة . وقد دخلت على بعض العلماء « 2 » شبهة ، فزعم أنّه
هامش
( 1 ) الإصباب بالمهملة : مصدر أصب ، إذا أخذ في الصّبب بفتحتين وهو ما انحدر من الأرض ، ويحتمل الأضباب بالمعجمة من أضب الشّيء أو على الشّيء إذا لزمه فلم يفارقه أو أمسكه فيكون بمعنى الإصرار . ( 2 ) هو : ابن جرير .