تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
وأولى هذه الأقوال بالصّواب في تأويل هذه الآية ، قول من قال : عني بها اليهود وأن يكون تأويله : أنّ الّذين كفروا من اليهود بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم عند مبعثه ، بعد إيمانهم به قبل مبعثه ، ثمّ ازدادوا كفرا بما أصابوا من الذّنوب في كفرهم ، ومقامهم على ضلالتهم ، لن تقبل توبتهم من ذنوبهم الّتي أصابوها في كفرهم ، حتّى يتوبوا من كفرهم بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويراجعوا التّوبة منه ، بتصديق ما جاء به من عند اللّه . وإنّما قلنا : ذلك أولى الأقوال في هذه الآية بالصّواب ، لأنّ الآيات قبلها وبعدها فيهم نزلت ، فأولى أن تكون هي في معنى ما قبلها وبعدها إذ كانت في سياق واحد . وإنّما قلنا : معنى ازديادهم الكفر ما أصابوا في كفرهم من المعاصي ، لأنّه جلّ ثناؤه قال :
لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ
فكان معلوما أنّ معنى قوله :
لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ
إنّما هو معنيّ به : لن تقبل توبتهم ممّا ازدادوا من الكفر على كفرهم بعد إيمانهم ، لا من كفرهم ، لأنّ اللّه تعالى ذكره وعد أن يقبل التّوبة من عباده ، فقال :
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ
الشّورى : 25 ، فمحال أن يقول عزّ وجلّ : أقبل ولا أقبل في شيء واحد . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان من حكم اللّه في عباده أنّه قابل توبة كلّ تائب من كلّ ذنب ، وكان الكفر بعد الإيمان أحد تلك الذّنوب الّتى وعد قبول التّوبة منها بقوله :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
آل عمران : 89 ، علم أنّ المعنى الّذي لا تقبل التّوبة منه ، غير المعنى الّذي تقبل منه . وإذ كان ذلك كذلك ، فالّذي لا تقبل منه التّوبة هو الازدياد على الكفر بعد الكفر ، لا يقبل اللّه توبة صاحبه ما أقام على كفره ، لأنّ اللّه لا يقبل من مشرك عملا ما أقام على شركه وضلاله ، فأمّا إن تاب من شركه وكفره وأصلح ، فإنّ اللّه كما وصف به نفسه
غَفُورٌ رَحِيمٌ .
فإن قال قائل : وما ينكر أن يكون معنى ذلك ، كما قال من قال : فلن تقبل توبتهم من كفرهم عند حضور أجله ، أو توبته الأولى ؟ قيل : أنكرنا ذلك ، لأنّ التّوبة من العبد غير كائنة إلّا في حال حياته ، فأمّا بعد مماته فلا توبة ، وقد وعد اللّه عزّ وجلّ عباده قبول التّوبة منهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم ، ولا خلاف بين جميع الحجّة في أنّ كافرا لو أسلم قبل خروج نفسه بطرفة عين ، أنّ حكمه حكم المسلمين ، في الصّلاة عليه والموارثة ، وسائر الأحكام غيرهما ، فكان معلوما بذلك أنّ توبته في تلك الحال لو كانت غير مقبولة ، لم ينتقل حكمه من حكم الكفّار إلى حكم أهل الإسلام ، ولا منزلة بين الموت والحياة ، يجوز أن يقال : لا يقبل اللّه فيها توبة الكافر . فإذا صحّ أنّها في حال حياته مقبولة ، ولا سبيل بعد الممات إليها ، بطل قول الّذي زعم أنّها غير مقبولة عند حضور الأجل . وأمّا قول من زعم أنّ معنى ذلك : التّوبة الّتي كانت قبل الكفر فقول لا معنى له ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ لم يصف القوم بإيمان كان منهم بعد كفر ، ثمّ كفر بعد إيمان . بل إنّما وصفهم بكفر بعد إيمان ، فلم يتقدّم ذلك الإيمان كفر ، كان للإيمان لهم توبة منه . فيكون تأويل ذلك على ما تأوّله قائل ذلك ، وتأويل القرآن على ما كان موجودا في ظاهر التّلاوة - إذا لم تكن حجّة تدلّ على باطن خاصّ - أولى