تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
من غيره ، وإن أمكن توجيهه إلى غيره . ( 3 : 344 ) الشّريف الرّضيّ : ومن سأل عن معنى [ الآية ] فقال : فحوى هذه الآية مخالفة لقولكم في وجوب التّوبة ، لأنّ من مذهبكم أنّه سبحانه لا بدّ أن يقبل توبة التّائب مع بقاء التّكليف ، وقد قال سبحانه :
هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ . . .
الشّورى : 25 ، وظاهر هذا الكلام يدلّ على أنّ قبول التّوبة غير واجب ، وأنّه سبحانه متفضّل بذلك ، وله ألّا يفعله كسائر ما يتفضّل به . فالجواب : أنّ إطلاق اسم التّوبة هاهنا من غير صفة تدلّ على صحّتها أو بطلانها لا تعلّق فيه لخصومنا ، لأنّ التّوبة عندنا لها شرائط ، متى لم تكن مطابقة لها وواقعة عليها كانت غير مقبولة . ويجري ذلك مجرى قولهم : « حجّة » ، في أنّها قد تكون صحيحة لازمه ، وقد تكون باطلة داحضة . فإذا كانت على الوجوه الّتي يجب أن تكون عليها ، وصفت بالصّحّة والثّبات ، وإن كانت على ضدّ ذلك وصفت بالبطلان والاندحاض ، ألا ترى إلى قوله تعالى :
حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
الشّورى : 16 ، فسمّاها : حجّة ، ووصفها مع ذلك بأنّها داحضة ، لا تنصر قائلها ولا تنفع المدلي بها . فلهذا قد تسمّى التّوبة : توبة ، وهي مع ذلك غير مقبولة ، لأنّها لم تقع مطابقة لشرائطها ، وعلى ذلك قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً
التّحريم : 8 . [ إلى أن قال : ] فبان أنّ التّوبة قد تقع على وجوه فتكون مقبولة ، وقد تقع على خلاف تلك الوجوه فتكون غير مقبولة ، وهذا يوضّح الغرض الّذي رمينا إليه . وبعد ، فإنّه سبحانه أخبر في هذه الآية - الّتي كلامنا فيها - أنّه لا يقبل توبة القوم الّذي وصفهم بما وصفهم به ، ولم يخبر سبحانه على أيّ وجه وقعت توبتهم ؛ وقد ثبت أنّه لا يجب قبول كلّ ما يقع عليه اسم التّوبة . ألا ترى أنّ التّائب لو تاب من القبيح لا لقبحه بل لأمر آخر لم تكن تلك التّوبة مقبولة ، وكذلك المعاين عند حضور أجله ، وانقطاع أمله وزوال لوازم التّكليف عنه ، وحصوله مضطرّا إلى المعرفة ملجأ إلى التّحرّز من ضرر العقوبة ، لا تقبل توبته ، ويصحّح ذلك قوله سبحانه :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ
النّساء : 18 ، وكذلك توبة أهل النّار ، لأنّهم ملجئون إلى ألّا يفعلوا القبيح ، ولذلك لا يلزم من أساء إليه غيره أن يقبل اعتذاره ، وهو عاجز من الإساءة في المستقبل . فإذا صحّ ذلك فمن أين للخصوم أنّه سبحانه لا يقبل توبة هؤلاء الّذين تابوا ، وقد وقعت توبتهم على الوجه الّذي يوجب قبولها منهم ! فظاهر هذا الكلام على ما قدّمناه لا يدلّ على ذلك ، لأنّه تعالى أضاف « التّوبة » إليهم وهي لا تقع منهم على كلّ وجه يصحّ وقوعها ، فادّعاء العموم في جهاتها لا يصحّ . وقد يجوز أيضا أن يكون المراد بذلك : أنّ التّوبة المتقدّمة الّتي كانت قبل الكفر وقبل الازدياد منه لا تقبل منهم ، وقد ازدادوا الآن كفرا ، لأنّه تعالى قد أخبر أنّهم كانوا قبل ذلك مؤمنين بقوله :
كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ
فبيّن سبحانه بهذا أنّ توبتهم وقعت محبطة بالكفر الّذي ردفها ووقع في عقبها ، وإنّما تكون التّوبة نافعة إذا استمرّ