تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
برضاه ومغفرته ، وهذا ما قاله الإمام بالحرف : « فلعلّ بعضهم برحمتك يرحمني لسوء موقفي ، وتدركه الرّقّة عليّ لسوء حالي ، فينالني منه بدعوة هي أسمع لديك من دعائي ، أو شفاعة أوكد عندك من شفاعتي ، تكون بها نجاتي من غضبك ، وفوزي برضاك » . قال الإمام زين العابدين ، وسيّد السّجّادين مخاطبا ربّه : « لعلّ بعضهم أوكد عندك من شفاعتي تكون بدعوته نجاتي » . قال هذا يوم لا أحد على وجه الأرض يدانيه في فضيلة واحدة من فضائله الجلّى ، وهنا يكمن سرّ الجلال والعظمة والكمال . وبعد ، فإنّ التّوبة متشعّبة الأطراف ، وتتّسع لكتاب مستقلّ ، وقد نعود إلى الكلام عنها في مناسبة ثانية . ( 2 : 272 ) فضل اللّه : لمن التّوبة ؟ للتّوبة - في المفهوم الإسلاميّ القرآنيّ - معنى العمق الإيمانيّ في الانفتاح على اللّه بالعودة إليه - في حالة الخطيئة - بالإحساس العميق بالنّدم على التّمرّد العمليّ على أوامره ونواهيه ، والإرادة القويّة الواعية في تغيير المسار في خطّ الانحراف إلى خطّ الاستقامة ، ومن تحويل الموقف من واقع المعصية إلى واقع الطّاعة ، في روحيّة إيمانيّة ، تتمثّل الإخلاص في العلاقة باللّه .
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ
الّذي يتقبّل التّوبة عن عباده ، ممّا فرضه لهم من الحقّ في قبولها بالعفو عن الخطيئة ، وغفران الذّنب وإدخالهم في رحمته من جديد ،
لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ
الذّنب ( بجهالة ) بالسّير في خطّ الانحراف عن خطّه المستقيم ، انطلاقا من خلل في التّصوّر ، أو في تقدير الأمور ، أو في حسابات الرّبح والخسارة ، أو غفلة عن النّتائج السّلبيّة على قضيّة المصير الأخرويّ ، أو الخضوع لسلطان الشّهوة تحت تأثير النّفس الأمّارة بالسّوء ، ممّا يدخل في عنوان « السّفاهة » العقليّة أو العمليّة ، في غياب الوعي الصّافي الّذي ينظر إلى الأمور بوضوح ، ويتحرّك معها باتّزان .
ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ
قبل أن يعاينوا الموت ؛ وذلك في الحالة الّتي يملكون فيها التّراجع عن الانحراف ، لأنّ السّاحة تحمل الكثير من الفرص للتّغيير ، لأنّ التّوبة في مثل هذه الحالة تعني وعي خطورة الخطيئة ، وإرادة العودة الواعية إلى اللّه ، ممّا يوحي بأنّ هذا الإنسان يتحرّك في نطاق العودة إلى معنى إيمانه ، في حركة الطّاعة للّه . وقد ذكر بعض المفسّرين أنّ المراد بقوله : ( من قريب ) الزّمان القريب من وقت حصول المعصية ، فيكون المعنى : التّوبة الفوريّة والنّدم السّريع ، لأنّ ذلك هو الّذي يمنع من « 1 » زوال أثر المعصية من النّفس ، وعدم تجذّرها في عمق الشّخصيّة ، فتكون الآية واردة على سبيل الإيحاء بالتّوجيه الإلهيّ بضرورة السّرعة في التّوبة ، فإنّها أقرب إلى القبول ، ولا يمنع ذلك من قبول التّوبة بعد مرور زمان على المعصية ، باعتبار أنّه يؤدّي دورا مهمّا في تصحيح المسار ، لكنّ الحالة الأولى أقرب إلى الاستقامة .
فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
من موقع رحمته الّتي تتّسع للخاطئين التّائبين الّذين ابتعدوا عنه بفعل نقاط
هامش
( 1 ) كذا ، والظّاهر : من تمكّن أثر المعصية .