تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
النّار ، فإذا أتاكم الحديث عنّي فاعرضوه على كتاب اللّه ، فما وافق كتاب اللّه فخذوه ، وما خالف كتاب اللّه فلا تأخذوا به » ، ومن أجل هذا لا نأخذ بحديث قبول التّوبة إذا بلغت الرّوح الحلقوم . وغير بعيد أنّ حكّام الجور في عهد الأمويّين والعبّاسيّين قد أوعزوا إلى بعض أذنابهم أن يضع لهم هذا الحديث ، ليحتجّوا به أمام المحكومين بأنّ لهم مندوحة عند اللّه ، مهما جاروا وأفسدوا . فلقد كان لكلّ حاكم منهم حزمة من فقهاء السّوء يبرّرون أعمالهم ، ويكيّفون الّدين طبقا لأهواء الشّياطين . الأمر الثّاني : أنّ قبول التّوبة عند الموت إغراء بارتكاب الذّنب والمعصية ، وهذا من عمل الشّيطان ، لا من عمل الرّحمان . الأمر الثّالث : أنّ اللّه سبحانه إنّما يقبل العمل من العامل إذا صدر منه عن إرادة وحرّيّة كاملة . وبديهة أنّ الإنسان إنّما يكون حرّا بالنّسبة إلى العمل إذا كان قادرا على فعله وتركه معا ، أمّا إذا قدر على الفعل دون التّرك ، أو على التّرك دون الفعل فإنّه يكون مسيّرا لا مخيّرا ، ومن هذا الباب التّوبة عند الموت ؛ إذ المفروض أنّ التّائب في هذه الحال يعجز عن اقتراف الذّنب والمعصية تماما ، كما يعجز عنها من يقول غدا :
رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ
الدّخان : 12 . فإن قبل اللّه التّوبة ممّن يساق إلى القبر ، فينبغي أن يقبلها ممّن يعذّب في النّار . والفرق تحكّم ، ولذا سوّى اللّه بينهما ، وعطف أحدهما على الآخر ؛ حيث قال :
وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ
أي إنّ اللّه سبحانه لا يقبل التّوبة أيضا من الّذين يموتون على الكفر ، ولا يندمون إلّا حين يرون العذاب يوم القيامة ، بل لا يقبلها منهم ، وهم في طريقهم إلى هذا اليوم ، كما دلّت الآية ( 99 ، 100 ) من سورة المؤمنون :
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ .
أجل ، يجوز في نظر العقل أن يعفو جلّ وعزّ ويصفح عن المذنبين ، وإن لم يتوبوا تفضّلا منه وكرما ، ولكن هذا شيء وقبول التّوبة عند الموت شيء آخر .

التّوبة والفطرة :

التّوبة فرع عن وجود الذّنب ، لأنّها طلب للصّفح عنه ، ولا يخلو الإنسان من ذنب مّا كبيرا كان أو صغيرا إلّا من عصم اللّه ، وقد نسب إلى الرّسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله قوله :
إن تغفر اللّهمّ تغفر جمّا * وأيّ عبد لك ما ألّما
وقد أوجب سبحانه التّوبة على من أذنب تماما ، كما أوجب الصّوم والصّلاة ، ومن الآيات الدّالّة على وجوبها هذه الآية :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ،
وقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً
التّحريم : 8 ، وقوله :
وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً
هود : 3 ، وقوله :
وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
الحجرات : 11 . والحقيقة أنّ وجوب التّوبة لا يحتاج إلى دليل ، لأنّه من القضايا الّتي تحمل دليلها معها ، فكلّ إنسان يدرك بفطرته أنّ على المسئ أن يعتذر عن إساءته ، ويطلب الصّفح ممّن أساء إليه ، وقد جرى على ذلك عرف الدّول
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 161 | مجمع البحوث الاسلامية