تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
النّاس : المؤمنين الّذين يعيشون الإيمان فكرا بعيدا عن الممارسة ، والكافرين الّذين يواجهون الموت بالكفر ، من دون عمق في الفكر والشّعور ، وامتداد في مجال الالتزام والممارسة . وقد أكّدت الآية أنّ هؤلاء لا تقبل توبتهم بل ينتظرهم العذاب الأليم . وقد جاء في الحديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في آخر خطبة خطبها : « من تاب قبل موته بسنة ، تاب اللّه عليه . ثمّ قال : إنّ السّنة لكثيرة ، من تاب قبل موته بشهر ، تاب اللّه عليه ، ثمّ قال : إنّ الشّهر لكثير ، ومن تاب قبل موته بجمعة ، تاب اللّه عليه ، ثمّ قال : إنّ الجمعة لكثيرة ، ومن تاب قبل موته بيوم تاب اللّه عليه ، ثمّ قال : إنّ يوما لكثير ، ومن تاب قبل موته بساعة ، تاب اللّه عليه . ثمّ قال : وإنّ السّاعة لكثيرة ، ومن تاب وقد بلغت نفسه هذه - وأهوى بيده إلى حلقه - تاب اللّه عليه » . وسئل الإمام جعفر الصّادق عليه السّلام عن قول اللّه عزّ وجلّ :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ
النّساء : 18 ، قال : ذلك إذا عاين أمر الآخرة . ويقول صاحب « الميزان » - تعليقا على ذلك : « والرّواية الثّانية تفسّر الآية وتفسّر الرّوايات الواردة في عدم قبول التّوبة عند حضور الموت ، بأنّ المراد من حضور الموت : العلم به ، ومشاهدة آيات الآخرة ، ولا توبة عندئذ . وأمّا الجاهل بالأمر ، فلا مانع من قبول توبته » . وما استوحيناه من الآية أنّ المقصود بها التّوبة الّتي تعبّر عن موقف وعي ، وإرادة تغيير في ما ينتظره الإنسان من السّاحة الجديدة الزّمنيّة الّتي تتحرّك فيها خطواته العمليّة في المستقبل ، ولن يكون ذلك إلّا في المجال الّذي ينتظر فيه المستقبل في انطلاقات الأمل الكبير بالحياة ، وفي ضوء ذلك لا تكون أمثال هذه الرّوايات بعيدة عن الجوّ العامّ للآية .

التّوبة في خطّ التّربية الإسلاميّة :

ومن خلال هذا العرض ، نستطيع اعتبار التّوبة وسيلة عمليّة من وسائل التّربية الرّوحيّة والعمليّة ، لأنّ الإنسان قد يعيش في أغلب مواقفه الوقوع في خطأ التّجربة ، ويعاني من عقدة الشّعور بالنّقص أمام المنحدر السّحيق الّذي تقوده إليه أخطاؤه ، وربّما يقوده ذلك إلى التّعقيد الدّاخليّ والضّياع الرّوحي ، عندما يصطدم بالحقيقة ، ويواجه النّتائج الحاسمة وجها لوجه ، من دون أن يتمكّن من تغيير الواقع ، فيبقى أسير عقدته . ويتحوّل ذلك إلى موقف سلبيّ من الحياة والأشخاص من حوله ، نتيجة ما تثيره العقدة الدّاخليّة من أحاسيس ومشاعر ، وتحرّكات وتعقيدات . وجاءت التّوبة الإلهيّة لتقول للإنسان ، بأنّ الخطأ حالة طبيعيّة في حياته ، انطلاقا من نوازع الضّعف الكامنة في داخل نفسه ، الّتي قد يستسلم لها تارة ، وقد يتمرّد عليها أخرى ، فكان لا بدّ له من أن يسقط أمام حالات الضّعف . ولكن ليس معنى ذلك أنّها ضريبة لازمة له ، لا يستطيع الفكاك منها والتحرّر من عبوديّتها ، بل هي قضيّة طبيعيّة تماما ، كما هي الحالات الطّبيعيّة العارضة للإنسان الّتي قد يحتاج إلى التّعامل معها بفعّاليّة ، ومعالجتها بحكمة وقوّة ، كما يحتاج إلى عدم مواجهتها