تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
البقرة : 222 ، وقال الرّسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله : « من رأى أنّه مسيء فهو محسن » . أمّا السّرّ لإحسان التّائب ، وعظيم منزلته عند اللّه سبحانه ، فهو معرفته بنفسه ، ومحاسبتها على كلّ عيب ونقص ، وجهادها على الكمال والطّاعة ، هذا الجهاد الّذي عبّر عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بالجهاد الأكبر . وقديما قال الأنبياء والحكماء : « اعرف نفسك » . ومرادهم أن يعرف الإنسان ما في نفسه من عيوب ، ويعمل على تطهيرها من كلّ شائبة . وقد يقول قائل : إنّ الإنسان نتيجة لعوامل كثيرة : منها أبواه ، ومدرسته ، ومجتمعه ، ومناخه ، وما إلى ذلك ممّا يؤثّر في تكوين شخصيّته ، ولا حول معه ولا طول ، وعليه فلا يتّصف الإنسان بأنّه أذنب وأساء ، لأنّ الذّنب ذنب المجتمع والظّروف ، ومتى انتفى الذّنب انتفى موضوع التّوبة من الأساس . الجواب : صحيح أنّ محيط الإنسان وظروفه تؤثّر به ، ولكن صحيح أيضا أنّ ذات الإنسان وإرادته تؤثّر في ظروفه وبيئته ، كما يتأثّر هو بها ، لأنّ لكلّ من الإنسان وظروفه واقعا ملموسا ، وكلّ شيء له واقع ملموس لا بدّ أن يكون له أثر كذلك ، وإلّا لم يكن شيئا ، وعلى هذا يستطيع الإنسان أن يؤثّر في ظروفه ، بل يستطيع أن يقلبها رأسا على عقب ، إذا كان عبقريّا ، والشّاهد الحسّ والوجدان . إنّ شأن الظّروف الّتي يعيشها الإنسان أن تبعث في نفسه الميل والرّغبة في ثمار الظّروف ونتاجها ، وعلى الإنسان أن ينظر ويراقب هذه الثّمار ، وتلك الرّغبة ، فإن كانت متّجهة إلى الحسن من الثّمار اندفع مع رغبته ، وإلّا أوقفها وكبح جماحها ، وليس هذا بالأمر العسير . ولو لم يكن للإنسان مع ظروفه حول وطول لما اتّصف بأنّه محسن ، وبأنّه سيّئ ، ولبطل العقاب والثّواب ، وسقط المدح والذّمّ ، ولما كان لوجود الأديان والأخلاق والشّرائع والقوانين وجه ومبرّر . سؤال ثان : قلت : إنّ التّوبة فرع الذّنب ، مع العلم بأنّ الأنبياء والأئمّة كانوا يتوبون إلى اللّه ، وهم مبرؤون عن العيوب والذّنوب . الجواب : أنّ الأنبياء والأئمّة مطهّرون من الدّنس والمعاصي ، ما في ذلك ريب . ولكنّهم كانوا لمعرفتهم باللّه ، وشدّة خوفهم منه يتصوّرون أنفسهم مذنبين ، فيتوبون من ذنب وهميّ لا وجود له . وهذا مظهر وأثر من آثار عصمتهم وعلوّ مكانتهم ، لأنّ العظيم من لا يرى نفسه عظيما ، بل لا يراها شيئا مذكورا في جنب اللّه ، ويتّهمها دائما بالتّقصير في طاعته وعبادته ، ومن أجل هذا يسأله العفو ، ويستعين به على حسن العاقبة ، على العكس من
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
الكهف : 104 . وخير ما قرأته في هذا الباب قطعة من مناجاة الإمام زين العابدين عليه السّلام ، يطلب فيها من اللّه أن يسخّر له عبدا من عباده الصّالحين مستجاب الدّعوة لديه تعالى ، كي يرى هذا العبد سوء حال الإمام من شدّة خوفه من اللّه ، فيتأثّر ، وتأخذه الرّقّة على الإمام ، ويتوسّل إلى الخالق الجليل أن يرفق بالإمام ، فيسمع اللّه دعوة هذا العبد الصّالح ، وينجو الإمام من غضب اللّه وسخطه ، ويفوز