يثير في داخله الإحساس بالنّدم ، في حركة المسؤوليّة في فكره وضميره ، وتتحرّك إرادة التّحوّل والتّغيير في داخل نفسه . ولعلّ من البديهيّ أن يكون للإنسان امتداد في حياته العمليّة في المستقبل ، ليعيش هذا الوعي وهذه الإرادة ، وليتحقّق له الصّدق الواعي الحرّ ، ولهذا جاءت هاتان الآيتان لتجيبا عن السّؤال : « لمن التّوبة » ؟
وكان الجواب ، حديثا عن نموذجين من النّاس ، فهناك النّموذج الّذي عمل السّوء بجهالة ، وربّما كانت كلمة « الجهالة » تعطي معنى عدم العلم ، وربّما كانت تعبّر عن السّفاهة وعدم الوعي وعدم المسؤوليّة ، على أساس العلم الّذي لا يترك تأثيره في عمليّة الوعي الدّاخليّ لا يبتعد عن الجهل في طبيعة النّتائج السّلبيّة .
وقد كثر في القرآن ، وفي غيره ، استخدام كلمة « الجهالة » للتّعبير عن ذلك ، بل ربّما قال بعض العلماء : إنّ كلمة « الجهالة » تعني السّفاهة بشكل أساسيّ . وربّما كان هذا المعنى هو الأقرب للفكرة الّتي تعالجها الآية ، لأنّ التّوبة لا تنحصر بأولئك الّذين يعصون اللّه عن غير علم بما يفعلون ، بل تشمل كلّ أولئك الّذين ينحرفون عن الخطّ جهلا أو عمدا ، من دون وعي عمليّ داخليّ للنّتائج ، بالمستوى الّذي يحرّك الإحساس والشّعور ، ويحوّل المعرفة إلى حالة شعوريّة داخليّة قويّة . فقد فتح اللّه لكلّ أولئك باب التّوبة ، إذا تراجعوا عن انحرافهم وتابوا عن قريب ، أي قبل أن يدهمهم الموت فيلاقوه وجها لوجه .
فإنّ التّوبة تمثّل - في مثل هذا النّموذج - الموقف الّذي يعبّر عن يقظة الإيمان داخل النّفس ، وحركته في آفاق الضّمير ، وينطلق بالإنسان في عمليّة التّغيير ، لأنّ السّاحة الزّمنيّة المفتوحة أمامه تترك له المجال لتجربة جديدة وعمل جديد ، من أجل التّصحيح والتّقويم .
وهؤلاء الّذين يمارسون موقف التّوبة في هذا الاتّجاه ، هم الّذين يتقبّل اللّه توبتهم ، ويفتح لهم باب رحمته ومغفرته ، على أساس علمه بهم وبمنطلقاتهم وتطلّعاتهم ، من خلال ما تقتضيه الحكمة من إفساح المجال للإنسان الّذي يعيش حركة التّجربة في حياته بين الخطأ والصّواب ، أن يبدأ عمليّة التّصحيح في كلّ فرصة مناسبة لذلك .
وهناك النّموذج الّذي تمتدّ به المعصية في نطاق التّمرّد في عمر الزّمن ، فهو لا يفكّر أبدا أن يتوقّف ما دامت الحياة مفتوحة ، والفرصة متاحة له ، لأنّ القضيّة عنده - في كلّ طموحاته - هي إرواء شهواته ، وتحقيق مطامعه الذّاتيّة . أمّا حسابات اللّه والدّار الآخرة ، فهي مؤجّلة دائما ، بل ربّما كانت من الأمور الثّانويّة المغفول عنها الّتي لا يدخلها في حسابه ، حتّى إذا واجه الموت وضاقت عليه نواحي الحياة قال :
إِنِّي تُبْتُ الْآنَ
ولكنّها ليست توبة ، بل هي محاولة هروب من حراجة الموقف بالانطلاق بالكلمة السّريعة الّتي يواجه بها الكثيرون من النّاس المواقف الصّعبة ، من أجل أن يتخفّفوا بذلك من حراجة المشكلة ، ثمّ يرجعون عنها إذا كان هناك مجال للرّجوع .
وبذلك لا تكون هذه الكلمة تعبيرا عن موقف وعي وإرادة تغيير ، بل تكون تعبيرا عن حالة تخلّص من المأزق الصّعب . ويتمثّل هذا النّموذج في نوعين من